محمد عبدالوهاب رفيقي (ابو حفص) ومارادونا

0

محمدعبدالوهاب رفيقي

لا زلت أذكر ذلك الصباح من صيف عام 86 وكأنه بالأمس، كان يوم أحد بائس وحزين، أيقظتني والدتي بوجه شاحب لتخبرني بأن علي أن أرتب ملابسي في حقيبة السفر، فقد جاء الخبر إلى والدي بأن بمدينة فاس مدرسة قرآنية يتمناها كل والد لولده، لم يتردد في قرار شد الرحال نحوها، لم يكن الأمر يحتاج معي سوى إخبار، فمن يستطيع أن يناقش ما قرره السيد الوالد، حملت ملابسي على مضض، وولجت خلف السيارة المتجهة إلى المجهول، لا أعرف شيئا عن هذه المدينة ولا عن أهلها ، ولا إلى أين أمضي ولا أين سأكون؟ انزويت في ركن السيارة ووضعت رأسي على نافذتها، ليس ما يخفف عني رحلتي المجهولة سوى استعادة لحظات المتعة التي كانت لا زالت حديثة العهد، نشوة الانتصار أمام البرتغال وأهداف خيري ومراوغات بودربالة وتصديات بادو، إبداع دييغو وأهداف لينيكر و تألق بلجيكا وشراسة منتخب ألمانيا الغربية.
دخلت مدينة فاس لأول مرة وعمري إثنا عشر سنة في يوم شديد الحرارة، رتب والدي كل شيء عن مقامي بهذه المدرسة، واضح أن مكثي سيكون طويلا، وأن أمامي أيام عصيبة بعيدا عن والدتي وعائلتي وأصدقائي ومعارفي، لكن ذلك كله لم يشغل بالي عن الموعد الذي كنت أنتظره بشوق وحرقة، كنت في الأيام السابقة أختلق مختلف الحجج والدعاوى للهروب من البيت والالتجاء إلى بيت عمي أو بيت أحد من أبنائه، أعلم أن اكتشاف ذلك سيعرضني لمساءلة شديدة وعقوبة غير مخففة، لكن هوسي الطفولي بالمستديرة ونجومها لم يترك لي فرصة للتردد في خوض المغامرة، تابعت أغلب المباريات خلسة دون علم والدي، ألححت على والدتي لتقتني لي كتاب “بانيني” وحزمة من بطاقات صور اللاعبين، وافقت بشرط أن يكون إخفائي للكتاب محكما حتى لا تطالها المساءلة، لكنني توقعت كل شيء إلا أن يقرر والدي السفر يوم النهائي الحلم.
بعد الاتفاق على كل شيء فيما يخص مقامي وحاجياتي وأيامي بأسرتي الجديدة التي لم نكن نعرفها قبل اليوم، اقترح صديق والدي الذي رافقنا إلى فاس المرور بيت عائلته بمنطقة “الجنانات” قلب مدينة فاس، تصاعدت ضربات قلبي الصغير، فلعلها تكون الفرصة لاختلاس ولو لحظات من الحلم، لم يهدأ عقلي على صغره أيضا من التخطيط والترتيب، استغللت فرصة لقاء والدي بإخوة صديقه وحديثه معهم، أخبرته أني على الباب، وسارعت في لحظات لمقهى قديمة تكوم الناس فيها وعلى أطرافها، لمتابعة الشاشة الرديئة التي تنقل نزال الأرجنتين بألمانيا الغربية، لم أدرك إلا شوطها الثاني، كان أصدقاء دييغو متفوقين بهدف في شباك العملاق شوماخر، لم يلبثوا إلا قليلا حتى أضافوا هدف ثانيا برجل فالدانو بعد عمل رائع لسيد الكرة، لكن الألمان بعنادهم زرعوا في قلوبنا الخوف مرة أخرى، رومنيغيه وبعده فولر جعلوا كل شيء متعادلا.
أخشى ما خشيت في تلك اللحظة، أن تمتد المباراة للأشواط الإضافية، ولن يترك لي والدي فرصة متابعة لحظة التتويج، خاصة إذا كان أرجنتينيا، دعوت بفطرة طفولية أن يصنع الملك المعجزة، وكذلك كان، تمريرة ساحرة من الملك لحظات قبل النهاية، وبوروتشاغا يوقع على الحلم، سقطت الدموع على وجنتي الصغيرتين، وبكيت مع مارادونا وهو يرفع الكأس، وعدت إلى والدي الغارق في أحاديثه ونقاشاته الدينية.
مكثت أربع سنوات كاملة في ضيافة تلك الأسرة، لم أعد فيها إلى بيتنا وجيراننا إلا مرتين أو ثلاث، أنهيت دراستي بفاس، كان والدي قد سافر إلى مكان بعيد جدا، طلب مني أن ألتحق به في ذلك المكان، رتب لي موعد السفر وطريقته ولوازمه، كان يوم 8 يوليوز من عام 1990، لم يكن ممكنا ولا بأي حال أن أذهب إلى أي مكان في ذلك اليوم، تمردت على قرار والدي وغيرت تاريخ السفر، لست أنا نفسه الطفل قبل أربع سنوات، كما لم يكن مارادونا نفسه دييغو قبل أربع سنوات، أعيد نهائي 86 مرة أخرى، لكن الحظ عاند دييغو وزملائه، وضربة جزاء مشكوك فيها نفذها أندرياس بريم أسالت دموع الملك، بكيت معه مرة أخرى، سافرت إلى تلك البلاد البعيدة وأنا أحمل في نفسي غصة وألما، كان الناس هناك يتحدثون عن حرب الخليج الأولى وعن بن لادن وعن الجماعات الإسلامية بالجزائر، فيما كنت في داخلي ألعن الحكم المكسيكي البئيس الذي أهدى الفوز لبكنباور وليتبارسكي، وأستغرب لذلك القدر الذي يجمعني بأفضل من لمس الكرة في التاريخ، وذلك الجزء من ذاكرتي الذي فقدته اليوم، والذي يسمى: مارادونا.

Leave A Reply