
بقلم بثينة المكودي
في قرية تابعة لجماعة توفلعزت بدائرة إغرم، إقليم تارودانت، لا يُقاس الفقر بعدد الدواوير المهمشة ولا ببعدها عن مراكز القرار، بل بسعر الماء.
هناك، حيث يفترض أن يكون الماء حق طبيعي وبديهي، تُجبر الساكنة على شراء طن واحد من الماء بـ50 درهمًا، في وقت لا يتجاوز فيه السعر 3 دراهم للطن في المدن، الفارق ليس رقمي فقط، بل شرخٌ طبقي فجّ يفضح لاعدالة توزيع الثروة المائية بالمغرب.
العطش حين يتحول إلى سياسة صامتة
في توفلعزت، لا صنبور يُفتح متى شِئت، ولا فاتورة شهرية تُناقش، بل انتظار طويل لصهريج ماء قد يأتي… وقد لا يأتي، خمسون درهما مقابل طن ماء غير مضمون الجودة، يُستعمل لكل شيء للشرب، للطبخ، والغسل، وأحيانا لسقي ماشية تُعد آخر سند اقتصادي للأسر.
هنا، العطش ليس ظرف مناخي فقط، بل نتيجة تهميش مزمن واختيارات عمومية غير عادلة.
تصريح من الميدان: “ندفع ثمن الإقصاء”
وفي تصريح لاذع، قال ممثل جمعية “تيغاوين تكراكر” إن ما تعيشه الساكنة “لا يمكن اختزاله في أزمة جفاف فقط”، موضحا
“الساكنة تشتري الماء بـ50 درهمًا للطن، في حين يُباع في المدن بـ3 دراهم، هذا ليس فرق في التسعيرة، بل فرق في القيمة التي تُعطى للإنسان القروي. نحن لا ندفع ثمن الماء فقط، بل ندفع ثمن الإقصاء وغياب العدالة المجالية”.
وأضاف المتحدث أن الجمعية دقت ناقوس الخطر مرارًا وتكرارا، مطالبة بـتدخل عاجل يضمن الحق في الماء الصالح للشرب، بدل ترك الساكنة رهينة الصهاريج ومنطق الاستغلال.
مدن تشرب… وقرى تُستنزف
في المدن، الماء مدعوم، متوفر، ومؤطر بسياسات عمومية ترفع شعار “الحق في الولوج” أما في القرى الجبلية والهامشية، فيُترك المواطن لسوق مفتوحة للعطش، يتحكم فيها من يملك الصهريج، ويُسعّر الحاجة واليأس.
هكذا تتحول الندرة إلى فرصة ربح، ويُترك القروي وحيدًا في مواجهة كلفة لا طاقة له بها.
الفارق الطبقي يُقاس باللتر
كيف يمكن لأسرة قروية محدودة الدخل أن تتحمل كلفة ماء تفوق بـ17 مرة ما يدفعه سكان المدن؟
كيف يُطلب من الفلاح الصغير الصمود في وجه الجفاف، بينما يُثقل كاهله بثمن الماء نفسه؟
أي نموذج تنموي هذا الذي يجعل الفقير يدفع أكثر مقابل حق أساسي؟
الماء: حق دستوري لا امتياز جغرافي
ما يحدث في توفلعزت ليس حالة معزولة، بل صورة مصغرة لـمغرب بسرعتين “مغرب الصنابير المفتوحة، ومغرب الصهاريج”، مغرب الدعم، ومغرب “دبّر راسك”.
وفي هذا السياق، شدد ممثل جمعية “تيغاوين تكراكر” على أن الماء حق دستوري، وليس امتياز مرتبط بالقرب من المدينة”، محذرا من أن استمرار هذا الوضع يعمق الإحساس بالحكرة ويقوض الثقة في السياسات العمومية.
في توفلعزت، لا تطالب الساكنة بالمستحيل، بل بأبسط شروط الكرامة
أن يشرب القروي الماء دون أن يشعر أنه يُعاقَب لأنه وُلد في الهامش، فحين يصبح ثمن الماء مرآة للفوارق الطبقية، نكون أمام أزمة عدالة قبل أن تكون أزمة عطش.




