
لماذا تراقب موسكو وبكين حرب إيران بصمت؟
منذ اندلاع الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، لفت انتباه الباحثين والمحللين الإستراتيجيين طبيعة الموقفين الروسي والصيني، حيث بدا البلدان وكأنهما يراقبان مجريات الصراع من بعيد دون تدخل مباشر، رغم علاقاتهما الوثيقة مع طهران.
بوتين: روسيا قد تفكر في وقف إمدادات النفط إلى أوروبا
هذا الصمت النسبي لم يُكسر إلا بشكل محدود؛ إذ أدلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الرابع من مارس 2026 بتصريح اقتصادي لم يتطرق إلى الحرب بشكل مباشر، حين قال إن روسيا قد تفكر في وقف إمدادات النفط إلى أوروبا والبحث عن أسواق بديلة، قبل أن يوضح أن هذا ليس قرارًا رسميًا بل مجرد “تفكير بصوت عال”. وفي المقابل، جاء الموقف الصيني الأكثر وضوحًا عندما حذرت بكين من استهداف مجتبى خامنئي بعد انتخابه مرشدًا جديدًا لإيران.
ورغم الحديث في الأوساط السياسية عن تقديم موسكو مساعدات استخباراتية ولوجستية لإيران، فإن مستوى هذا الدعم لا يرقى إلى توقعات البعض في ظل حرب واسعة تشارك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد طهران، خاصة مع الحديث عن تقارب إستراتيجي بين روسيا والصين وإيران في مواجهة الغرب.
لفهم هذا الموقف الحذر، لا بد من النظر إلى طبيعة العلاقات بين روسيا وإيران من جهة، والصين وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى المحددات الإستراتيجية التي تحكم حسابات كل من موسكو وبكين.
أولًا: طبيعة العلاقة بين روسيا وإيران
يمكن وصف العلاقة بين روسيا وإيران بأنها شراكة إستراتيجية أكثر منها تحالفًا عسكريًا ملزمًا. وقد تعززت هذه العلاقة بتوقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين في يناير 2025.
سياسيًا، يتعاون الطرفان في مواجهة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، كما نسقا مواقفهما في ملفات إقليمية عدة أبرزها الملف السوري. أما عسكريًا، فقد شهدت العلاقة تعاونًا ملحوظًا في مجالات التسليح والتكنولوجيا العسكرية؛ إذ زودت إيران روسيا بتكنولوجيا تصنيع بعض الطائرات المسيرة التي استخدمتها موسكو في حربها ضد أوكرانيا، ما ساهم في تعزيز قدراتها القتالية هناك.
اقتصاديًا، يعتمد البلدان على التعاون في مجال الطاقة للتخفيف من آثار العقوبات الغربية، إضافة إلى مشاريع نقل وممرات تجارية مثل ممر الشمال–الجنوب.
ومع ذلك، فإن هذه الشراكة لا تتضمن اتفاقًا دفاعيًا يلزم روسيا بالدفاع عن إيران في حال تعرضها لهجوم، كما أن العلاقة بين البلدين لا تخلو من تنافس في أسواق الطاقة. كذلك لا ترغب موسكو في أن تصبح إيران قوة نووية مكتملة.
محددات الموقف الروسي من الحرب
هناك عدة عوامل رئيسية تفسر الحذر الروسي في التعامل مع الحرب الدائرة:
1. تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة
تدرك موسكو أن التدخل العسكري المباشر إلى جانب إيران قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو سيناريو قد يؤدي إلى صدام بين قوى نووية كبرى. لذلك تفضل روسيا تقديم دعم غير مباشر، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية أو الدعم اللوجستي، دون الانخراط العسكري المباشر.
2. الانشغال بالحرب في أوكرانيا
تخوض روسيا بالفعل مواجهة طويلة مع الغرب في أوكرانيا، ما يجعل فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط خيارًا مكلفًا عسكريًا وسياسيًا. فذلك قد يؤدي إلى استنزاف إضافي للقوات الروسية، وربما إلى مواجهة مباشرة مع حلف شمال الأطلسي.
3. الاستفادة غير المباشرة من الحرب
من منظور جيوسياسي، قد تحقق الحرب بعض المكاسب غير المباشرة لموسكو. فالتصعيد في الشرق الأوسط قد يشتت اهتمام الولايات المتحدة عن أوكرانيا، كما يؤدي التوتر في الخليج إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الروسي. وعلى المدى البعيد، قد يؤدي استنزاف الولايات المتحدة في صراع جديد إلى إضعاف نفوذها العالمي وفتح المجال لنظام دولي متعدد الأقطاب.
ثانيًا: العلاقة بين الصين وإيران
أما العلاقة بين الصين وإيران فتقوم أساسًا على شراكة اقتصادية طويلة الأمد، تُوجت بتوقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي لمدة 25 عامًا في مارس/آذار 2021.
تعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ استحوذت على نحو 91% من صادرات إيران النفطية عام 2024. كما تشارك الشركات الصينية في استثمارات داخل إيران ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”.
سياسيًا، تقدم بكين دعمًا دبلوماسيًا لإيران في مواجهة العقوبات الغربية، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الدخول في تحالفات عسكرية مع طهران.
محددات الموقف الصيني
يمكن تلخيص الحسابات الصينية في عدة اعتبارات رئيسية:
1. أولوية الاقتصاد والاستقرار
تعتمد الصين بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الخليج، ما يجعل استقرار المنطقة أولوية قصوى لبكين. وأي تدخل عسكري مباشر قد يهدد الملاحة في الخليج ويضر بمبادرة الحزام والطريق، إضافة إلى انعكاساته السلبية على الاقتصاد الصيني، خاصة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة.
2. تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة
تعتمد الإستراتيجية الصينية على تجنب صدام عسكري مباشر مع الولايات المتحدة في الوقت الراهن، والتركيز على تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية تدريجيًا. وترى بكين أن ساحة التنافس الحقيقية مع واشنطن ستكون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لا في الشرق الأوسط.
3. الحفاظ على العلاقات المتوازنة في الشرق الأوسط
تمتلك الصين علاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع دول المنطقة، بما في ذلك السعودية والإمارات وإسرائيل إلى جانب إيران. لذلك فإن الانحياز العسكري لطهران قد يضر بهذه العلاقات ويؤثر على مصالحها الاقتصادية.
4. إستراتيجية “اللعبة الطويلة”
تتبنى الصين سياسة طويلة المدى تقوم على تعزيز نفوذها تدريجيًا، مع ترك الولايات المتحدة تنخرط في صراعات مكلفة. ووفق هذا المنظور، فإن استنزاف القوة الأمريكية في نزاعات خارجية قد يخدم صعود الصين عالميًا دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.
متى قد يتغير الموقف الروسي أو الصيني؟
رغم هذا الحذر، هناك عدة سيناريوهات قد تدفع موسكو أو بكين إلى زيادة مستوى الدعم لإيران:
إذا اقتربت الحرب من إسقاط النظام الإيراني بالكامل، وهو ما قد يخل بالتوازن الجيوسياسي في آسيا.
إذا توسع الصراع ليهدد إمدادات الطاقة العالمية أو الملاحة في مضيق هرمز.
إذا قررت الولايات المتحدة تنفيذ تدخل بري واسع داخل إيران.
خلاصة
يمكن تفسير موقف روسيا والصين الحذر من الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران بمزيج من عدة عوامل: الرغبة في تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، والانشغال بأولويات إستراتيجية أخرى، وغياب تحالف دفاعي ملزم مع إيران، إضافة إلى إمكانية استفادتهما من استنزاف القوة الأمريكية دون تحمل كلفة المواجهة العسكرية المباشرة.
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات بتصرف





