الرئسية

تحذيرات رسمية و غلاء يفضح الغياب الحكومي

°تحرير:  بثينة المكودي

في الوقت الذي دقت فيه تقارير المندوبية السامية للتخطيط ناقوس التحذير بشأن التحولات الديمغرافية المتسارعة، وعلى رأسها شيخوخة المجتمع وتباطؤ النمو السكاني، يعيش المغاربة على وقع واقع يومي أكثر قسوة: أسعار ملتهبة، وقدرة شرائية تتآكل، وأسواق تُدار بمنطق المضاربة أكثر من منطق الضبط.

بين هذه الأرقام الرسمية الثقيلة، وذاك الواقع المعيشي الضاغط، يبرز غياب لافت: أين هو تقييم السياسات العمومية؟

تقارير تُحذّر… وحكومة بلا حصيلة

المندوبية السامية للتخطيط قدمت معطيات، ترسم ملامح مغرب يتجه نحو تحديات بنيوية، ديمغرافية واجتماعية واقتصادية. لكن في المقابل، تغيب الجهة التي يفترض أن تربط هذه الأرقام بالسياسات العمومية: وزارة الاستثمار وتقييم السياسات العمومية.

الوزير كريم زيدان، الذي يفترض أن يكون صوته حاضراً في مثل هذه اللحظات، يبدو خارج النقاش تماماً. فلا تقارير تقييمية منشورة، ولا مؤشرات رسمية تشرح للمغاربة كيف تفاعلت الحكومة مع هذه التحولات، أو كيف تستعد لها.

خمس سنوات من التدبير الحكومي مرت دون أن يخرج الوزير كريم زيدان بأي تقرير رسمي شامل يضع المغاربة أمام حصيلة واضحة، بالأرقام والمعطيات، حول ما تحقق وما تعثر. وهي مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام، ليس فقط حول أداء الوزير، بل حول جدوى قطاع يحمل في اسمه “تقييم السياسات العمومية” دون أن يُنتج تقييما.

وظيفة بلا مضمون؟

من حيث المبدأ، يفترض أن يشكل تقييم السياسات العمومية حجر الزاوية في أي نموذج حكامة حديث، لأنه ببساطة الأداة التي تقيس النجاعة، وتكشف الاختلالات، وتوجه القرار السياسي نحو التصحيح، لكن في الحالة المغربية، يبدو أن هذا المفهوم تحول إلى عنوان إداري أكثر منه ممارسة فعلية.

غياب التقارير لا يعني فقط نقصا في التواصل، بل يكشف خللا أعمق في فلسفة التدبير،  إذ كيف يمكن الحديث عن إصلاحات اجتماعية أو اقتصادية أو مجالية، دون أدوات قياس دقيقة؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بجدوى السياسات العمومية، في ظل غياب أرقام رسمية محينة وشفافة؟

صمت يثير الريبة

الأخطر من غياب التقييم، هو ما يرافقه من صمت رسمي يفتح الباب أمام التأويلات، فحين تغيب الأرقام، تحضر الشكوك، وحين لا تُنشر النتائج، يصبح من المشروع التساؤل هل هناك ما يُخشى كشفه؟

المعارضة، من جهتها، لم تتردد في وصف الأداء الحكومي بالضعيف، مستندة إلى مؤشرات اجتماعية واقتصادية مقلقة، من ارتفاع تكاليف المعيشة، إلى اختلالات سوق الشغل، وصولا إلى استمرار الفوارق المجالية. غير أن غياب تقارير رسمية دقيقة يجعل هذا النقاش يدور في حلقة مفرغة، بين اتهامات سياسية وردود عمومية فضفاضة

أسواق تشتعل… وأرقام غائبة

في سوس ماسة، كما في باقي جهات المملكة، لا يحتاج المواطن إلى تقارير ليشعر بالأزمة. أسعار البصل بلغت مستويات غير مسبوقة، ما فتح الباب أمام غزو المنتوج الإسباني للأسواق، فيما واصلت أسعار الدجاج والبيض منحاها التصاعدي، خاصة خلال وبعد رمضان.

هذه الوقائع ليست مجرد اختلالات ظرفية، بل مؤشرات تستدعي التقييم:

ما أثر السياسات الفلاحية؟ أين تدخلات ضبط السوق؟ كيف تُدار سلاسل التوزيع؟

أسئلة مشروعة، لكنها تصطدم بجدار الصمت.

وزارة خارج التغطية

المفارقة أن القطاع المكلف بتقييم السياسات العمومية، يبدو كأنه خارج التغطية في أكثر اللحظات حاجة إليه، فلا تقارير تشرح، ولا أرقام تُقنع، ولا حتى تواصل يطمئن.

في المقابل، تُترك الساحة لتحليلات متضاربة، وتصريحات سياسية، وانطباعات عامة، في غياب مرجعية رسمية واضحة.

حين تتكلم الأرقام… ويصمت التقييم

تقارير المندوبية تقول إن المغرب أمام تحديات عميقة والأسواق تقول إن القدرة الشرائية في تراجع، لكن الحكومة، عبر قطاع التقييم، لا تقول شيئا.

وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، ليس فقط في السياسات، بل في غياب قياس أثرها.

وحين تحذر المؤسسات الرسمية من مستقبل مقلق، وتشتعل الأسواق في الحاضر، يصبح الصمت عن تقييم السياسات نوعا من الهروب إلى الأمام.

المفارقة وزارة اسمها تقييم السياسات العمومية لا تُقيّم، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى وضوح أكثر من أي وقت مضى… ليست فقط مفارقة إدارية، بل خلل سياسي صريح.

وفي النهاية، حين تغيب الأرقام الرسمية، يبقى المواطن هو المؤشر الوحيد… وغالبا، الأكثر صدقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى