
دخل النزاع بين شركة “إيمرسون PLC” البريطانية والمغرب مرحلة حاسمة، بعد أن تقدمت الشركة بمذكرة مفصلة أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، تطالب فيها بتعويضات صافية تصل إلى 1.215 مليار دولار.. هذا الرقم لا يمثل فقط كلفة مشروع متعثر، بل يعكس أيضًا حجم الرهان الاقتصادي والسياسي المرتبط بجاذبية الاستثمار في المملكة،
وتندرج هذه القضية ضمن تزايد لافت لنزاعات الاستثمار عالميًا، حيث سجلت أكثر من 1200 قضية تحكيم دولي حتى 2025 وفق معطيات البنك الدولي، ما يجعل الملف المغربي جزءًا من سياق دولي أكثر تعقيدًا.
مشروع واعد أم مقامرة مائية؟
تعوذ القضية إلى مشروع استغلال البوتاس بإقليم الخميسات، وهو مورد استراتيجي يدخل في صناعة الأسمدة، ما يجعله رهانًا اقتصاديًا في سياق عالمي يشهد تقلبات حادة في أسعار المواد الزراعية.. و تؤكد الشركة أن المشروع بلغ مراحل متقدمة بحلول 2025، مستندة إلى ترخيص تعدين وتصريح بيئي حصلت عليهما سنة 2021 لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد، غير أن هذا المسار “الواعد” اصطدم بعقبة حاسمة: المخاوف المرتبطة بالضغط على الموارد المائية، حيث أشارت التقييمات الرسمية إلى أن المشروع يتطلب كميات كبيرة من المياه في منطقة تعاني أصلًا من إجهاد مائي متزايد، في بلد لا يتجاوز نصيب الفرد فيه 620 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل بكثير من عتبة الفقر المائي المحددة عالميًا عند 1000 متر مكعب.
التحكيم كأداة ضغط أم ملاذ قانوني؟
تتهم “إيمرسون” السلطات المغربية بما تسميه “مصادرة تعسفية”، بدءًا من رفض الترخيص البيئي وصولًا إلى إغلاق باب الطعن الإداري، وهي تستند في ذلك إلى مقتضيات اتفاقية الاستثمار الثنائية بين المغرب والمملكة المتحدة، معتبرة أن الإجراءات المتخذة تفتقر إلى الشفافية وتضرب في العمق مبدأ حماية المستثمر، في المقابل، يبدو أن الدولة اختارت التمسك بخيار السيادة البيئية، ولو على حساب نزاع دولي قد يكلفها ما يعادل تقريبًا ميزانية قطاع حيوي برمته.. وهنا، يتحول التحكيم الدولي من آلية لتسوية النزاعات إلى سيف مسلط على رقبة السياسات العمومية.
سمعة الاستثمار بين الخطاب والواقع
لطالما راهن المغرب على تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية، حيث استقطب ما يفوق 21 مليار درهم من الاستثمارات المباشرة سنة 2024 وفق بيانات رسمية، غير أن هذا النزاع يطرح سؤالًا محرجًا: هل يكفي تسويق صورة بلد منفتح إذا كانت المشاريع الكبرى قد تنهار عند أول اختبار بيئي أو إداري؟ تشير الشركة إلى غياب مبررات واضحة للرفض، ما يفتح الباب لتأويلات قانونية قد تضعف موقف المغرب في التحكيم، وتغذي سردية أن القرار الاستثماري في البلاد قد يخضع أحيانًا لمزاج إداري أكثر منه لمنطق مؤسساتي.
بين السيادة والبراغماتية: من يدفع الثمن؟
في العمق، لا يتعلق الأمر فقط بمشروع منجمي أو نزاع قانوني، بل بنموذج تنموي يتأرجح بين الحاجة للاستثمار والحفاظ على الموارد، فإذا كانت الدولة محقة في حماية مواردها المائية، فإن الطريقة التي أُدير بها الملف تطرح علامات استفهام حول التنسيق المؤسساتي ووضوح المساطر، أما إذا كسبت “إيمرسون” القضية، فإن الفاتورة لن تُدفع من خزينة مجردة، بل من جيب اقتصاد يبحث أصلًا عن توازناته، في زمن لم تعد فيه الأخطاء الإدارية تُمحى، بل تُفوتر بالدولار.




