اقتصادالرئسيةتحقيق

تحقيق: أزمة الكبريت فيOCP .. خيوط الخلل ومسؤوليات مؤجلة

التحقيق بقلم: الكاتب والإعلامي خالد أخازي

هذا التحقيق يسعى إلى تفكيك خيوط الشريان الأصفر، الكبريت، بوصفه عنصرا حاسما في صناعة الفوسفاط بالمغرب، ويفتح سؤالا مؤجلا بإلحاح: لماذا لم تُفعَّل سيادة التخزين الاستراتيجي للكَبريت، رغم التوجيهات الملكية  لـمحمد السادس منذ سنوات، لتفادي اختناقات التوريد؟ سؤال ظل معلقا، بلا جواب من قنوات التواصل داخل المكتب.

الملك يترأس مراسيم تقديم البرنامج الاستثماري الأخضر الجديد للمجمع الشريف للفوسفاط (2023 –2027) بالرباط، صورة أرشيفية

ويمتد التساؤل إلى جوهر المساءلة: من يتحمل مسؤولية تعطيل رؤية سيادية في مادة تُعد عصب الحياة للصناعة الفوسفاطية؟ هنا أيضا، الصمت سيد الموقف.

أمام هذا الفراغ، يراهن التحقيق على ما أمكن توثيقه وجمعه، بمنهج استقصائي ينصت للوثيقة بقدر ما يقرأ الواقع، في حقل مغلق بأقفال معقدة. نفتح هذا الملف بأدوات مهنية، لنروي قصة تبعية صناعية غطتها أرقام الأرباح الضخمة. إنها رحلة تمتد من الجرف الأصفر إلى مضيق هرمز، رحلة قلق صامت تهدد بإخماد مداخن أكبر مجمع صناعي في أفريقيا.

المغرب، الذي ينام على كنوز الفوسفاط ويتحكم في مصير أمعاء مليارات البشر، يواجه اليوم حقيقة مرة حاول الخطاب الرسمي تجميلها لسنوات. إن القوة الصناعية التي يمثلها المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) ليست مطلقة كما يروج لها، بل هي قوة مشروطة، ومقيدة، ومرتهنة لمادة كيميائية صفراء لا يملك المغرب منها غراما واحدا في باطن أرضه: “الكبريت”.


هذا التحقيق كما قلنا ليس مجرد سرد اقتصادي، بل هو تشريح لجسد صناعي عملاق يكتشف فجأة أن قلبه ينبض في مكان آخر. فمع توترات عام 2026 وإغلاق مضيق هرمز، سقطت ورقة التوت عن “السيادة الصناعية” المزعومة، وانكشف أن أكبر منتج للأسمدة في العالم قد يتحول إلى “جثة هامدة” في غضون أسابيع إذا توقفت سفن الكبريت القادمة من الخليج.

في هذا السياق يفيد مهندس سابق رفض كشف اسمه “إننا أمام ارتهان استراتيجي، وقرارات إدارية غلبت الربح السريع على الامان القومي، وواقع “تبعية” مرير يهدد الطفرة المغربية في صناعة الفوسفاط”.

“الفخ الكيميائي”.. كيف وقع العملاق في الأسر؟

لنفهم حجم الكارثة، يجب أن نكسر شيفرة التصنيع. الفوسفاط في حالته الخام ليس سوى صخر أصم. لكي يصبح “سلاحا” زراعيا، يجب تحويله إلى حمض فوسفوري، ثم إلى أسمدة مركبة مثل “DAP” و “MAP”. هذه العملية الكيميائية المعقدة لها محرك وحيد: “حمض الكبريتيك”.

المفارقة الصادمة هنا هي أن المغرب، الذي يمتلك 70% من احتياطي الفوسفاط العالمي، يستورد 100% من حاجياته من الكبريت الخام لإنتاج هذا الحمض. نحن أمام صناعة تقوم على استيراد “الروح” لبعث الحياة في “الجسد”. في عام 2024، بلغت واردات المغرب من الكبريت ما يقارب 8.5 مليون طن، وهو رقم يجعل من المغرب الزبون الأول والاهم في العالم لهذه المادة. لكن هذا المركز “الريادي” في الاستيراد هو في الحقيقة “قيد” حديدي يربط الميزان التجاري المغربي بتلبات أسواق الطاقة الدولية، إذا علمنا أن الكبريت هو منتوج ثانوي لتكرير النفط والغاز، وكل اضطراب في صناعة النفط والغاز، تنعكس أوتوماتيكيا عليه. مع الأسف اختار المكتب الشريف مقامرة “الزمن الفوري” بدل المراهنة على التخزين الاستراتيجي.

لماذا يجد المغرب نفسه اليوم بلا مخزون استراتيجي يحميه؟ الاجابة تكمن في عقيدة إدارية تبناها المكتب الشريف للفوسفاط تسمى “Just-in-Time” أو التوريد الفوري. هذه السياسة، التي تدرس في كليات إدارة الاعمال كنموذج للنجاح المالي، تعتمد على تقليل المخزون إلى أدنى مستوياته لتجنب تكاليف التخزين الباهظة وتجميد السيولة.

لكن في حالة مادة استراتيجية كالكبريت، تحولت هذه الكفاءة إلى “انتحار بطيء”. لقد قامر المخططون في “الجرف الاصفر” باستقرار سلاسل الامداد العالمية. كانوا يعتقدون أن العالم سيظل دائما مفتوحا، وأن السفن ستصل دائما في موعدها. عندما اندلعت أزمة هرمز في 2026، وجد المكتب الشريف نفسه بمخزون لا يكفي لتشغيل المصانع لأكثر من 15 يوما. لقد وفروا ملايين الدولارات في بناء المستودعات، لكنهم خسروا مليارات الدولارات في سمعة “المورد الموثوق” عندما بدأت المداخن في الصمت واحدة تلو الاخرى.

جغرافيا الانتحار.. لماذا وضعنا بيضنا كله في سلة الخليج؟

تشير الإحصائيات التي حصلنا عليها إلى أن أكثر من 60% من امدادات الكبريت المغربية تأتي من قطر، الإمارات، والسعودية. هذه التبعية الجغرافية ليست مجرد خيار تجاري، بل هي ارتهان لمنطقة تعد “صفيحا ساخنا” جيوسياسيا.

السؤال النقدي الذي يطرحه هذا التحقيق: كيف سمحت الدولة المغربية لمؤسستها الاستراتيجية الأولى أن ترهن مصيرها بممر مائي ضيق كمضيق هرمز؟ إن أي توتر إقليمي في تلك المنطقة يعني ببساطة “خنق” الصناعة المغربية. ورغم الاتفاقيات طويلة الأمد مع شركات مثل “قطر للطاقة”، إلا أن هذه العقود لا قيمة لها عندما تتوقف الملاحة البحرية. لقد بنى استراتيجيو المكتب الشريف سقف طموحهم على افتراض ساذج بأن “الشرق الاوسط” سيبقى مستقرا للأبد، وهو خطأ استراتيجي فادح دفع ثمنه الاقتصاد المغربي ولو دون ضوضاء.

وهم “التنويع”.. كازاخستان وروسيا كبدائل وهمية

حاول المكتب الشريف للفوسفاط امتصاص التحفظات التقنية لحكماء الفوسفاط عبر الترويج لمخطط “تنويع المصادر”. بدأ الحديث عن الكبريت الكازاخي والروسي. لكن نظرة دقيقة على الواقع اللوجستي تكشف زيف هذه الادعاءات كحلول سريعة.
الكبريت الكازاخي يتطلب رحلة برية عبر آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية للوصول إلى الموانئ، مما يرفع تكلفته إلى مستويات غير تنافسية. أما روسيا، فهي تحت وطأة العقوبات والاضطرابات الجيوسياسية في البحر الأسود. إن البحث عن بدائل بعيدة هو “هروب إلى الأمام” لتغطية الفشل في بناء استقلال ذاتي. الحقيقة التي يهرب منها استراتيجيو المكتب الشريف للفوسفاط هي أن المغرب يحتاج إلى “حلول هيكلية” داخل حدوده، لا إلى مجرد عقود شراء مع دول تعيش على فوهة بركان.

النزيف المالي.. عندما يبتلع الكبريت أرباح الفوسفاط

في سنوات الرخاء، يغطي ارتفاع أسعار الاسمدة على “فضيحة” تكلفة الكبريت. لكن عندما تنخفض أسعار الفوسفاط العالمية ويرتفع الكبريت، يدخل المكتب الشريف في “انتحار ” مالي صامت. ففي عام 2024 وحده، أنفق المغرب ما يقارب 2 مليار دولار لشراء الكبريت. هذه الأموال تخرج من العملة الصعبة للمملكة لتذهب إلى جيوب منتجي النفط والغاز.

إننا أمام نموذج اقتصادي غريب: نحن نبيع مادتنا الخام (الفوسفاط) لنشتري مادة خام أخرى (الكبريت) بأسعار نتحكم في الأولى ولا نملك أي سلطة على الثانية. هذا “النزيف المالي” يحد من قدرة المغرب على الاستثمار في البحث العلمي والتطوير الحقيقي، ويجعل ميزانية الدولة رهينة لمضاربات تجار الكبريت في بورصات لندن وشيكاغو.

غياب “السيادة الوطنية” وتواطؤ الصمت

أين كانت الحكومة المغربية؟ وأين كانت المؤسسات التشريعية من مراقبة هذا “الارتهان”؟ الحقيقة المرة هي أن المكتب الشريف للفوسفاط ظل دائما محط ثقة الدولة والمجتمع وإن كان دمؤسسة لا تخضع للمساءلة الحقيقية حول خياراتها الاستراتيجية.

لقد غابت “السيادة الوطنية” في قطاع المدخلات الصناعية. فبينما كانت الدولة المغربية تتحدث عن “السيادة الغذائية”، كانت المكتب الشريف للفوسفاط يتجاهل أن هذه السيادة مبنية على أساس “رملي” من الكبريت المستورد. مع الأسف لم تفرض الدولة على OCP بناء مخازن استراتيجية، ولم تشجع على إيجاد بدائل وطنية، بل تركت الحبل على الغارب لمجموعة من التقنوقراط الذين يقيسون النجاح بـ “الايبيضا” (EBITDA) والأرباح السنوية، متجاهلين “الأمن القومي” في أوقات الازمات.

الكارثة الإنسانية.. عندما يدفع الفقراء ثمن “سوء التخطيط”

أزمة الكبريت في 2026 لم تكن مجرد أرقام في البورصة. عندما توقف الإنتاج في المغرب، قفزت أسعار الاسمدة في أفريقيا بنسبة 200%. الفلاح الصغير في نيجيريا والسنغال وكينيا وجد نفسه عاجزا عن شراء “السماد المغربي”.

هنا تظهر “المسؤولية الأخلاقية” للمغرب. إن ادعاء قيادة الامن الغذائي الأفريقي يتطلب استقرارا في الانتاج. لقد كشفت أزمة الكبريت أن “الرغيف الافريقي” معلق بمزاج الممرات المائية في الشرق الأوسط، وأن المغرب، رغم نواياه الطيبة، فشل في تأمين سلاسل امداده بما يضمن حماية الفقراء من تقلبات الجيوسياسية. إنها “سقطة ديبلو- اقتصادية” قبل أن تكون فشلا صناعيا.

“الهيدروجين الاخضر”.. هل هو المخلص أم مجرد “بروباغندا”؟

يحاول الخطاب الرسمي للمكتب حاليا تسويق “الهيدروجين الاخضر” والأمونياك الأخضر كحل نهائي للتبعية. نعم، قد يحل الهيدروجين مشكلة “الأمونياك”، لكنه لا يلمس معضلة “الكبريت”. الكبريت يظل مادة لا يمكن تعويضها في الدورة الكيميائية الحالية لإنتاج حمض الفوسفوريك.

الاستثمار في الطاقات المتجددة أمر محمود، لكن استخدامه ك “مخدر” لتنويم الرأي العام والعلمي عن أزمة الكبريت هو تضليل ممنهج. المغرب بحاجة إلى “ثورة في الكيمياء الصناعية” أو إلى “شراكات استراتيجية تملكية” في مناجم الكبريت العالمية، وليس فقط إلى مشاريع طاقة خضراء ستحتاج إلى عقد من الزمن لتعطي ثمارها.

إن التحقيق في ملف الكبريت يقودنا إلى استنتاج واحد جارح: المغرب عملاق فوسفاطي بأقدام هشة من كبريت. إن الاستمرار في نموذج “التوريد الفوري” والارتهان الجغرافي للخليج هو “قنبلة موقوتة” ستنفجر مرة أخرى مع أول هزة سياسية قادمة.

ويؤكد الخبراء أت السيادة الصناعية لا تباع ولا تشترى في العقود التجارية، بل تبنى بالتحكم في كامل سلسلة القيمة. على المغرب أن يختار: إما أن يظل “تاجرا” كبيرا يربح من تقلبات السوق ويهتز مع كل أزمة، أو يتحول إلى “قوة سيادية” تمتلك قرارها الصناعي من المنبع إلى المصب. إن “الشريان الأصفر” يضيق، والوقت ينفد، وعرش الفوسفاط لن يبقى محميا بدعوات الاستقرار، بل بالعمل الجاد لتأمين “الروح الصفراء” التي تحرك ماكيناته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى