
في سابقة لافتة بالعاصمة السياسية، يبدو أن المزاج الانتخابي في الرباط دخل مرحلة من “البرود غير المسبوق”، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، حيث غاب النقاش العمومي حول الأسماء المرشحة لدوائر طالما شكلت بؤرة اهتمام، وعلى رأسها دائرتا المحيط وشالة، اللتان تمثلان معاً 7 مقاعد برلمانية.
صمت انتخابي غير مألوف
لم يعد الشارع الرباطي منشغلاً كما جرت العادة بتوقعات المرشحين أو حسابات الأحزاب، في تحول يعكس تراجع الثقة في العرض السياسي برمته.
هذا الصمت لا يمكن فصله عن ارتدادات الانتخابات الجزئية لسنة 2024، التي جرت في ما بات يُعرف بـ”دائرة الموت”، حيث مُنيت أسماء سياسية وازنة بهزائم مدوية أمام كتلة ناخبة توصف بالواعية والمنتقاة، تضم نخبة أكاديمية وسوسيولوجية مؤثرة.
أرقام صادمة… ورسائل واضحة
الأرقام التي أفرزتها تلك الانتخابات الجزئية كانت كفيلة بإطلاق “صفارات إنذار” داخل الأحزاب:
نسبة مشاركة لم تتجاوز 6 في المائة، أي حوالي 7520 ناخباً من أصل 180 ألفاً، مقابل إلغاء أزيد من 1200 صوت، فيما لم تتجاوز الأصوات المحصل عليها من طرف أربعة أحزاب كبرى 6300 صوت.
حصيلة رقمية تكشف، بوضوح، عن أزمة ثقة عميقة بين الناخبين والمؤسسات الحزبية، وعن تصويت “عقابي” يعكس رفضاً صريحاً لمرشحين لم يقنعوا القاعدة الانتخابية.
من “دائرة الموت” إلى أزمة تمثيلية
تحولت دائرة المحيط، التي أسقطت وجوهاً سياسية بارزة، إلى رمز لفشل الأحزاب في قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية داخل النسيج الحضري للرباط. لم يعد الناخب الرباطي يكتفي بالشعارات، بل بات يختبر المصداقية والقدرة على التمثيل الحقيقي، وهو ما يضع الأحزاب أمام امتحان عسير لإعادة بناء خطابها وربط الصلة مع قواعدها.
شالة… خصوصية انتخابية في مشهد ضبابي
على خلاف المحيط، تحتفظ دائرة شالة بخصوصية تركيبية، تمتد جغرافياً وبشرياً من قصبة الأوداية إلى غابات دار السلام، وتضم حوالي 60 ألف ناخب.
غير أن هذا التنوع لم يمنع تسلل نفس الشعور بالضبابية السياسية، حيث تتزايد حالة الترقب والشك في قدرة الأحزاب على تقديم بدائل مقنعة.
انتخابات على إيقاع الشك
مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح:
هل تستطيع الأحزاب إفراز نخب سياسية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة؟
أم أن المشهد سيتجه نحو سيناريوهات معقدة، شبيهة بما حدث سنة 2002، حين عجزت النتائج عن إنتاج أغلبية واضحة، ما فتح الباب أمام ترتيبات سياسية غير تقليدية؟
إنذار مبكر قبل 2026
ما تعيشه الرباط اليوم ليس مجرد فتور انتخابي عابر، بل مؤشر على أزمة أعمق تضرب جوهر العملية الديمقراطية. الناخب، الذي اختار الصمت أو المقاطعة، يوجه رسالة حادة مفادها أن الشرعية لا تُمنح تلقائياً، بل تُبنى بالثقة والإنصات والتمثيل الحقيقي.
تبدو انتخابات 2026 على موعد مع اختبار حاسم، إما أن تستعيد الأحزاب ثقة الناخبين وتعيد الروح للممارسة السياسية، أو أن تتسع فجوة العزوف، بما يحول صناديق الاقتراع إلى مجرد إجراء شكلي في مشهد يزداد هشاشة.





