
الغلاء ينهك المغاربة…أزمة حكم صامتة
يشهد المغرب اليوم حالة من الاحتقان الاجتماعي المتزايد، في ظل موجة غلاء غير مسبوقة مست مختلف تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من المواد الأساسية إلى أسعار المواشي قبيل عيد الأضحى، في وقت تتوسع فيه دائرة المضاربة والاحتكار، ويزداد نفوذ الوسطاء و”الشناقة” الذين حولوا معاناة الناس إلى فرصة لتحقيق أرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للمغاربة.
بقلم: أحمد دابا
المواطن نفسه محاصرا بعجز اقتصادي خانق
وبين ارتفاع الأسعار واختفاء الأضاحي من عدد من الأسواق، يجد المواطن نفسه محاصرا بعجز اقتصادي خانق، وأجور متدنية لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم.
وفي مقابل هذا الوضع الصعب، يبرز شعور عام لدى فئات واسعة من المغاربة بغياب الدولة عن أداء أدوارها الأساسية في الحماية الاجتماعية وضبط الأسواق ومواجهة الاحتكار والمضاربة، وكأن المواطن تُرك وحيدا في مواجهة آلة اقتصادية شرسة لا تراعي هشاشته الاجتماعية ولا قدرته المحدودة على التحمل.
بل إن الإحساس السائد اليوم هو أن هناك حربا حقيقية تُشن على القدرة المعيشية للمغاربة، حرب تستهدف قوتهم اليومي وتُفرغ حتى مناسباتهم الدينية والاجتماعية من معناها وفرحتها، وعلى رأسها عيد الأضحى الذي تحول لدى كثير من الأسر من مناسبة للفرح والتكافل إلى مصدر للقلق والضغط النفسي والاجتماعي.
النظام السياسي شبه غائب عن الواجهة
الأزمة لا تبدو اقتصادية فقط، بل تحمل أبعادا سياسية عميقة، لأن ما يعيشه المغاربة يكشف عن اختلال واضح في طبيعة ممارسة السلطة والحكم داخل البلاد. فالحكومة، التي يُفترض أن تكون واجهة التدبير السياسي والإداري، تبدو في نظر كثيرين عاجزة عن اتخاذ قرارات حقيقية تحمي المواطنين أو توقف تغول الأسواق، وكأنها لا تمثل الإرادة الشعبية بقدر ما تدير مرحلة من التكيف مع الأزمات دون امتلاك القدرة على مواجهتها فعليا.
وفي المقابل، فإن النظام السياسي، رغم ما يمنحه له الدستور من صلاحيات واسعة ومركزية في توجيه السياسات الكبرى، يبدو شبه غائب عن الواجهة في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى حضور سياسي قوي ورسائل واضحة وإجراءات حاسمة تعيد الثقة للمواطنين.
العملية السياسية تتحول إلى مجرد تدبير إداري للأزمات
هذا الوضع يخلق مفارقة حادة داخل المشهد المغربي: حكومة تتحمل يوميا غضب الشارع دون أن تمتلك كامل أدوات القرار، ونظام سياسي يحتفظ بصلاحيات استراتيجية واسعة لكنه يفضل التواري خلف المؤسسات المنتخبة، مما يجعل المسؤولية السياسية تبدو ضبابية أمام الرأي العام، ويعمق الإحساس بانعدام المحاسبة وغياب من يتحمل فعليا مسؤولية ما يقع.
وهنا تتجلى أزمة الحكم بشكل أوضح، حيث تتحول العملية السياسية إلى مجرد تدبير إداري للأزمات بدل أن تكون ممارسة فعلية للسلطة قائمة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته.
وفي خضم هذا كله، يظهر ضعف غير مسبوق للأحزاب السياسية والنقابات، التي فقدت الكثير من قدرتها على التأطير والدفاع والتعبئة الاجتماعية، وأصبحت عاجزة عن لعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة.
فبدل أن تكون قوة ضغط لحماية الفئات المتضررة، تبدو في حالة تراجع وتفكك، الأمر الذي ترك المواطن المغربي في مواجهة مباشرة مع أزماته دون سند سياسي أو نقابي حقيقي.
المجتمع لا يزال ينتج أشكال مقاومة اجتماعية وإنسانية
ورغم هذا المشهد القاتم، ما تزال قيم التضامن والتكافل الاجتماعي حاضرة بقوة داخل المجتمع المغربي، حيث تحاول الأسر والجيران والمبادرات الفردية والجماعية التخفيف من آثار الأزمة وتقاسم الأعباء فيما بينهم.
وهي مفارقة تكشف أن المجتمع لا يزال ينتج أشكال مقاومة اجتماعية وإنسانية في وقت تتراجع فيه فعالية المؤسسات الرسمية.
إن ما يعيشه المغرب اليوم لا يمكن اختزاله فقط في أزمة غلاء عابرة، بل هو تعبير عن اختلال أعمق يتعلق بطبيعة النموذج السياسي والاجتماعي والاقتصادي القائم، وعن اتساع الهوة بين السلطة والمجتمع، وبين الخطاب الرسمي وواقع الناس.
فحين يشعر المواطن أن الدولة غائبة عن حمايته، وأن المؤسسات السياسية عاجزة عن تمثيله، وأن حتى أفراحه البسيطة أصبحت مهددة بثقل المعيشة، فإن ذلك يفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول العدالة الاجتماعية، وحول معنى المسؤولية السياسية، وحول الحاجة إلى تعاقد جديد يعيد الاعتبار للمواطن باعتباره جوهر أي سياسة أو نظام حكم.





