
المحامون يرفعون سقف المواجهة رفضا لمشروع قانون المهنة
دخلت أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما احتشد محامون من مختلف هيئات المملكة، اليوم الاثنين، بالعاصمة الرباط، في وقفة وطنية احتجاجية دعت إليها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، تعبيرا عن رفضهم لما يعتبرونه مشروعا يمس باستقلالية المهنة ويقوض ضمانات الدفاع، مؤكدين تمسكهم بمطلب سحب النص وفتح حوار جاد يفضي إلى توافق حقيقي حول مضامينه.
ويأتي هذا التحرك بعد التطورات التي شهدها المسار التشريعي للمشروع، والتي أثارت غضب الجسم المهني، في ظل اتهامات للحكومة بالتراجع عن التزامات سابقة، وإقرار تعديلات اعتبرها المحامون انقلابا على التوافقات التي تم التوصل إليها خلال الأشهر الماضية.
احتجاجات بعد تمرير تعديلات مثيرة للجدل
وجاءت الوقفة الاحتجاجية عقب مصادقة لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين، يوم 23 يونيو 2026، على تعديلات جديدة أدخلت على مشروع قانون المهنة، وهو ما اعتبرته جمعية هيئات المحامين خطوة تمضي في اتجاه تقليص استقلالية المحاماة وإضعاف دورها في حماية حق الدفاع، معتبرة أن المشروع بصيغته الحالية يشكل تراجعا عن المكتسبات الدستورية والمهنية.
اتهامات للحكومة بالتراجع عن التزاماتها
ويرى المحامون أن الحكومة أخلت بالالتزامات التي سبق أن قطعتها خلال الاجتماع المنعقد في فبراير 2026، والذي أفضى آنذاك إلى تعليق الاحتجاجات واستئناف العمل، مقابل تجميد مشروع القانون وإخضاعه للمراجعة داخل لجنة مشتركة برئاسة الحكومة، قبل أن يعاد طرحه بصيغة اعتبرها المهنيون مخالفة لما تم الاتفاق عليه.
الزياني: المقاطعة والتصعيد جميعها خيارات مطروحة
وفي إطار الخطوات التصعيدية، أعلن النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، مقاطعة الانتخابات المهنية المقرر تنظيمها خلال شهر دجنبر المقبل، معتبرا أن القرار يعكس حجم الأزمة التي تمر بها المهنة.
وأكد الزياني، خلال ندوة صحفية عقدها بالدار البيضاء، أن المحامين لا يخوضون مواجهة مع مؤسسات الدولة، وإنما مع الجهات التي تسعى، بحسب تعبيره، إلى إضعاف المحاماة والحد من استقلاليتها.
كما شدد على أن مختلف الأشكال الاحتجاجية تبقى واردة، من بينها إغلاق مكاتب المحامين، ونزع البذلات المهنية، والدخول في توقف شامل عن العمل قد يمتد إلى سنة كاملة، إذا لم يتم سحب المشروع أو تجميد مساره، واصفا إياه بأنه “قانون عقابي وانتقامي”.
“أزمة ثقة” وانتقاد لمنهج إعداد المشروع
وخلال كلمته في الوقفة الاحتجاجية، انتقد الزياني ما اعتبره انتقال وزارة العدل من نهج الحوار والتشارك إلى أسلوب الانفراد في إعداد المشروع، معتبرا أن الإشكال لا يرتبط ببعض المواد القانونية فقط، وإنما بطريقة إنتاج النص التشريعي، التي أفقدت التوافق قيمته وأفرغت الإصلاح من مضمونه.
وأضاف أن إدراج مقتضيات أساسية خلال مراحل متقدمة من المسار التشريعي، دون أن تكون محل نقاش سابق، أدى إلى تغيير فلسفة المشروع وإعادة ترتيب أولوياته وفق اعتبارات سياسية وحزبية، بعيدا عن منطق الإصلاح الذي أعلن عنه منذ البداية.
استقلال المحاماة ضمانة للعدالة
وأكد رئيس الجمعية أن الأزمة الحالية تعكس أزمة ثقة حقيقية، مبرزا أن المحاماة ليست مجرد مهنة، بل إحدى الركائز الأساسية لمنظومة العدالة، تستمد مشروعيتها من الدستور، ومن تاريخها الوطني، ومن المرجعيات الدولية التي تعتبر استقلال الدفاع ضمانة أساسية لسيادة القانون.
وشدد على أن استقلال المحاماة لا يمثل امتيازا مهنيا، وإنما يشكل حماية لحق المواطنين في محاكمة عادلة، مؤكدا أن استقلال القضاء لا يكتمل إلا باستقلال الدفاع، وأن حرية المحامي تمثل ضمانة للمواطن وللعدالة وللدولة، كما أن استقلال المؤسسات المهنية وتنظيمها الذاتي جزء لا يتجزأ من هذا المبدأ.
جدل حول المساعدة القضائية وودائع المحامين
وفي رده على تصريحات وزير العدل بشأن إخضاع ملفات المساعدة القضائية لافتحاص المجلس الأعلى للحسابات، أوضح الزياني أن هيئات المحامين لا تعارض مبدأ الشفافية، لكنها ترفض استغلال هذا الملف لأغراض سياسية.
وأشار إلى أن عددا كبيرا من المحامين أنجزوا مهامهم في إطار المساعدة القضائية دون الحصول على مستحقاتهم، متسائلا عن مآل الاعتمادات المالية المخصصة لهذا الورش.
وأوضح أن الغلاف المالي المخصص للمساعدة القضائية بلغ نحو ستة مليارات سنتيم، ظل ضمن الميزانية الفرعية لوزارة العدل ولم يحول إلى هيئات المحامين، مضيفا أن المعطيات المتوفرة لدى الجمعية تفيد بأن ما يقارب مليارا ونصف مليار سنتيم فقط استفاد منه حوالي 19 ألف محام قبل سنة 2020، قبل أن يتساءل عن مصير الأربعة مليارات ونصف المتبقية، داعيا المجلس الأعلى للحسابات إلى فتح تحقيق شامل في هذا الملف.
أما بخصوص ودائع المحامين، فأكد الزياني أن القضاء سبق أن حسم في طبيعتها القانونية، موضحا أنها لا تكتسي صفة الأموال العمومية، وأن هيئات المحامين تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلالين المالي والإداري، ولا تضطلع بتسيير مرفق عمومي.





