الرئسيةسياسة

إلبايس: حين يريد المغرب..تُغلق الحدود

أعادت محاولة العبور الجماعي نحو سبتة، يوم 15 غشت، طرح سؤال الدور الذي بات المغرب يؤديه في معادلة الهجرة بين إفريقيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا في ظل التفاوت الكبير بين حجم التحرك الأمني المغربي في بعض اللحظات وقدرته على الحد من تدفقات المهاجرين، وبين موجات العبور التي شهدتها المنطقة في فترات سابقة.

أحداث 15 غشت قدمت دليلا واضحا على أن الرباط تملك متى قررت ذلك القدرة على إغلاق الطريق

وفي هذا السياق، رأت صحيفة «إلباييس» الإسبانية أن أحداث 15 غشت قدمت دليلا واضحا على أن الرباط تملك، متى قررت ذلك، القدرة على إغلاق الطريق أمام محاولات الوصول إلى سبتة.

وبحسب ما أوردته «إلباييس» في عددها الصادر الأحد 16 غشت، فقد شهد محيط الحدود تعبئة أمنية مغربية واسعة حالت دون وصول مئات المهاجرين المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب مغاربة وأشخاص من جنسيات أخرى، إلى المدينة المحتلة.

واعتبرت الصحيفة أن حجم الانتشار الأمني المغربي يعكس ما وصفته بـ«أقصى درجات القوة السياسية والأمنية» في التعامل مع محاولة العبور.

وتنقل «إلباييس» عن مصادر أمنية إسبانية أن ما جرى في 15 غشت عزز قناعة مدريد بأن المغرب يمثل الطرف الأكثر حسما في منع محاولات الوصول إلى سبتة.

ونقلت عن مسؤول أمني إسباني رفيع المستوى قوله إن السلطات المغربية «عندما تريد، تغلق الطريق» أمام المهاجرين الذين يحاولون بلوغ الحدود، في إشارة إلى الفارق الكبير بين أحداث 30 يوليوز وما جرى في 15 غشت.

انتشار أمني إسباني لم يكن كافيا أمام التدفق المفاجئ والكبير للمهاجرين

وتوضح الصحيفة الإسبانية أن المراقبة المعتادة للحدود قبل موجة العبور التي شهدتها نهاية يوليوز كانت تعتمد، من الجانب الإسباني، على نحو 60 عنصرا من مجموعة الاحتياط والأمن التابعة للحرس المدني، إضافة إلى ستة زوارق، وهو انتشار لم يكن كافياً أمام التدفق المفاجئ والكبير للمهاجرين.

أما في 15 غشت، فقد كانت سبتة تضم، وفق الأرقام التي قدمها وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، نحو 880 شرطيا وطنيا و714 عنصرا من الحرس المدني، فضلا عن حوالي ألفي عسكري، ليصل مجموع القوات المتاحة إلى قرابة 3600 عنصر، وإن لم يكن جميعهم منتشرين مباشرة على الخط الحدودي.

وترى «إلباييس» أن هذا الاستنفار الأمني جاء في سياق حساس للعلاقات المغربية الإسبانية، بعد أكثر من أسبوعين من التوترات غير المعلنة بين البلدين، شملت تجدد النقاش حول السيادة على سبتة ومليلية، وتهديدات مرتبطة باتفاقية تسليم المطلوبين، فضلا عن اتهامات وجهتها هيئة عمومية بشأن ما اعتبرته سوء معاملة لبعض المهاجرين، بمن فيهم قاصرون.

مدريد اختارت في خضم التطورات الحفاظ على خطاب حذر تجاه الرباط

وفي المقابل، تكشف الصحيفة أن مدريد اختارت، في خضم هذه التطورات، الحفاظ على خطاب حذر تجاه الرباط. فوزراء في الحكومة الإسبانية، باستثناء وزيرة الدفاع مارغاريتا روبليس، سعوا إلى تفادي تصعيد إضافي مع المغرب، بينما كان وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا من أكثر المسؤولين نشاطا في الحفاظ على قنوات التواصل مع نظيره المغربي عبد الوافي لفتيت.

وتشير «إلباييس» إلى أن مارلاسكا تجنب توجيه انتقادات مباشرة إلى المغرب بشأن أحداث العبور، وواصل التأكيد على أهمية التعاون الأمني بين البلدين، واصفا إياه بأنه «استثنائي وغير مسبوق».

كما أكد، وفق الصحيفة، أن هذا التعاون مكن السلطات الإسبانية من إعادة أكثر من 90 في المئة من الأشخاص الذين دخلوا سبتة خلال 24 ساعة.

صعوبة مهمة الإعادة  تهم أساسا القاصرين غير المصحوبين

غير أن «إلباييس» تلفت إلى أن إعادة من تبقى داخل المدينة لا تتم بالسرعة نفسها، بسبب الإجراءات القانونية التي تفرض تحديد هوية كل شخص على حدة، وفتح الملفات الضرورية والتأكد من احترام الضمانات القانونية قبل تنفيذ عمليات الإعادة.

وتزداد صعوبة المهمة عندما يتعلق الأمر بالقاصرين غير المصحوبين. ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، فقد جرى تسجيل 1898 قاصراً وصلوا إلى سبتة، وهو ما يفرض إعداد تقارير من الجانب المغربي حول أوضاعهم العائلية، إلى جانب تدخل النيابة العامة الإسبانية قبل اتخاذ إجراءات إعادتهم.

وفي الوقت نفسه، تظل تداعيات موجة العبور ثقيلة على المدينة. فقد نقلت «إلباييس» عن الحكومة المركزية تقديرها وجود نحو 8000 شخص ما زالوا في سبتة، بينما تعتقد سلطات المدينة أن العدد قد يكون أكبر. ووصف مستشار الرئاسة في سبتة ألبرتو غايتان الوضع بأنه «رهيب»، مشيرا إلى تنامي القلق وسط السكان، خصوصاً في الأحياء التي تواجه ضغطاً متزايداً.

وتقدر الحكومة الإسبانية، بحسب الصحيفة، أنها ستتحمل مسؤولية استقبال حوالي 5000 شخص، من بينهم نحو 2500 قاصر وعدد مماثل من طالبي اللجوء المحتملين، في وقت تجمع فيه عدد كبير من المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء على شاطئ «إل ترامبولين».

عمليات الإعادة الجماعية التي جرت خلال الأيام الأولى أعقبتها عودة متفرقة

وتوضح «إلباييس» أن عمليات الإعادة الجماعية التي جرت خلال الأيام الأولى أعقبتها عودة متفرقة عبر معبر طرخال، بينما اختار نحو 600 مهاجر، وفق مندوبية الحكومة، مغادرة الأراضي الإسبانية طوعا حتى الخميس.

وفي المقابل، لا يزال آلاف الأشخاص يعيشون في ظروف صعبة، وينام بعضهم على الرمال أو قطع الكرتون أو مباشرة فوق الأرض.

وتسلط التغطية الميدانية للصحيفة الضوء كذلك على أوضاع النساء والقاصرين، إذ جرى نقل عشرات الفتيات والشابات إلى مستودع صناعي في حي الأمير بعد التحذير من مخاطر تعرضهن لاعتداءات جنسية، فيما ظل عدد من القاصرين غير المصحوبين يبيتون في ظروف قاسية بمنطقة طرخال.

أحداث 15 غشت كشفت بوضوح حجم الدور الذي يؤديه المغرب في إدارة تدفقات الهجرة

ومن خلال مجمل هذه المعطيات، تخلص «إلباييس» إلى أن أحداث 15 غشت كشفت بوضوح حجم الدور الذي يؤديه المغرب في إدارة تدفقات الهجرة نحو سبتة، ليس فقط باعتباره دولة عبور، وإنما باعتباره عملياً أحد أهم مفاتيح حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي في شمال إفريقيا.

وبذلك، فإن ما حدث في 15 غشت لا يختزل، وفق قراءة «إلباييس»، في مواجهة أمنية عابرة على الحدود، بل يعكس معادلة أوسع: قدرة الرباط على التأثير المباشر في حجم الضغط الذي تواجهه سبتة، وفي الوقت نفسه اعتماد مدريد المتزايد على التعاون المغربي لاحتواء التدفقات والهجرة غير النظامية، رغم استمرار الملفات السياسية والحقوقية العالقة بين البلدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى