
الأوديسة..من هوميروس إلى عاصفة الجدل+فيديو
لم يعد فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» مجرد فيلم ضخم الإنتاج، أو حتى «بلوكباستر» بالمعنى التقليدي للكلمة؛ أي ذلك الفيلم الذي يراهن على شباك التذاكر، وعلى أسماء النجوم، وعلى الإنتاج الهائل والمؤثرات البصرية والاستعراض السينمائي.
فيلم لا يكتفي باجتياح قاعات السينما بل يجتاح الفضاء السيبراني أيضا
لقد تحول، في وقت قياسي، إلى ما يمكن تسميته «بلوكباستر وسائل التواصل الاجتماعي»؛ فيلم لا يكتفي باجتياح قاعات السينما، بل يجتاح الفضاء السيبراني أيضاً، ويحتل مساحات واسعة من النقاش العام، ويستدعي سيلاً لا ينتهي من المنشورات والتعليقات ومقاطع الفيديو والتحليلات والانطباعات.
هناك، على امتداد منصات التواصل الاجتماعي، جمهور يتدافع بالأصوات والصور والكتابات، وكل واحد يريد أن يحجز لنفسه مكاناً في النقاش حول فيلم لم يُعرض بعد على نطاقه الكامل، لكنه بدأ بالفعل في صناعة ظاهرة ثقافية تتجاوز الشاشة.
واللافت أن قسماً كبيراً من هذا النقاش لا يدور حول الفيلم بوصفه عملاً سينمائياً فحسب، بل حول اختيارات نولان نفسها: من اختار؟ ومن لم يختر؟ ومن ينتمي إلى العالم الذي يستعيده الفيلم؟ ومن لا ينتمي؟ ولماذا ممثل من هذه الخلفية، وليس من تلك؟ ولماذا هذا الشكل من التمثيل؟ وهل يحق لمخرج بريطاني أن يعيد تشكيل ملحمة يونانية بالطريقة التي يريدها؟
قابلية الفيلم لأن يصبح مادة للنقاش خارج الشاشة
ربما لم يكن نولان يريد لكل هذه الأسئلة أن تُطرح، وربما كان يعرف، على العكس، أن بعض اختياراته ستستفز الأسئلة وستفتح أبوابا واسعة للجدل.
لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن الرجل، وهو يشتغل على واحدة من أكثر الملاحم قابلية لإنتاج التأويلات، لم يكن غافلا عن قابلية فيلمه لأن يصبح مادة للنقاش خارج الشاشة.
لقد وضع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما أسميه «تفاحات جدل» داخل فيلمه.

والفكرة مستلهمة، بطبيعة الحال، من الأسطورة الإغريقية الشهيرة عن إيريس، إلهة الخلاف والنزاع، وتفاحتها الذهبية التي أصبحت تعرف باسم «تفاحة الخلاف»، والتي تحولت إلى الشرارة الرمزية التي قادت، في الرواية الأسطورية، إلى واحدة من أشهر الحروب في التاريخ القديم: حرب طروادة.
لم تُدعَ إيريس إلى عرس بليوس وثيتيس، فحضرت غاضبة وألقت بين الآلهة تفاحة ذهبية كُتب عليها: «للأجمل». لم تكن التفاحة مجرد ثمرة، بل كانت قنبلة رمزية. سرعان ما تنازعت عليها هيرا وأثينا وأفروديت، لأن كل واحدة منهن رأت نفسها الأجمل والأحق بها.
ولأن الآلهة أنفسهم لم يرغبوا في تحمل مسؤولية الحكم بينهن، انتهى الأمر بإحالة النزاع إلى باريس، الأمير الطروادي، الذي وجد نفسه فجأة أمام واحدة من أكثر مسابقات الجمال خطورة في تاريخ الأساطير. اختار أفروديت بعد أن وعدته بأجمل امرأة في العالم، هيلين، زوجة مينلاوس ملك إسبرطة. ومن هنا بدأت سلسلة الأحداث التي قادت إلى اختطاف هيلين، ثم إلى الحرب التي ستصبح الخلفية الكبرى لملحمة «الإلياذة»، وإلى العالم الذي سيولد منه لاحقاً «الأوديسة».
هكذا تعمل «تفاحة الخلاف»: شيء صغير في الظاهر، لكنه قادر على تفجير أسئلة هائلة.
وربما هذا بالضبط ما يفعله نولان في فيلمه.
تفاحة الغياب اليوناني
من أكثر «تفاحات الجدل» إثارة للنقاش تلك المتعلقة بغياب ممثلين يونانيين عن قائمة أبطال الفيلم، رغم أن «الأوديسة» نفسها تنتمي إلى واحدة من أهم كلاسيكيات الأدب اليوناني القديم، بل وإلى صميم المخيال الثقافي اليوناني.
السؤال مشروع: لماذا لا يوجد ممثل يوناني بين هذا الطاقم المتعدد الأعراق والهويات؟
لكن تحويل السؤال إلى اتهام جاهز لنولان يحتاج إلى قدر من الحذر.
هل تعمد المخرج أن يكون غياب الممثل اليوناني موضوعاً للجدل؟ لا أملك دليلاً يسمح لي بالجزم بذلك، كما لا أملك دليلاً يسمح لي بنفيه. لكن ما يمكن قوله إن اختيار الممثلين لم يكن حادثاً عابراً، وإن نولان وفريقه كانا يملكان حرية واسعة في تشكيل العالم البشري للفيلم بالطريقة التي تخدم رؤيته السينمائية.
ولا أعتقد أن عدم وجود ممثل يوناني في الفيلم يشكل، في ذاته، إساءة إلى اليونان أو إلى اليونانيين.
فالفن لا يعمل دائماً بمنطق التمثيل القومي المباشر. عندما يقتبس مخرج أمريكي رواية سعودية مثلاً، ليس من الضروري أن يصبح وجود ممثل سعودي شرطاً لصحة الاقتباس. وعندما يعيد مخرج إنتاج فيلم أجنبي، فإن «أمانة» العمل لا تقاس بعدد الممثلين الذين يحملون جنسية البلد الذي أنتج الفيلم الأصلي.
الفن ليس سفارة.
ولا ينبغي أن يتحول الممثل إلى بطاقة هوية وطنية مطلوب منه أن يحملها داخل الفيلم حتى يكتسب العمل شرعيته الثقافية.
ثم إن السؤال الأهم ليس: هل يوجد يوناني في الفيلم؟ بل: ماذا فعل نولان بالمادة اليونانية التي أخذها؟
هنا يبدأ النقد الحقيقي.
يمكن مساءلة الفيلم عن علاقته بالنص الأصلي، وعن رؤيته لأوديسيوس، وعن قراءته للآلهة والأبطال، وعن موقع المرأة، وعن الحرب، وعن الرحلة، وعن معنى العودة، وعن الإنسان الذي يخرج من الحرب شخصاً ويعود إليها شخصاً آخر.
أما اختزال المسألة في جنسية الممثلين فقد يحول النقد إلى ما يشبه البحث عن «تفاحة جدل» جديدة لمجرد إسقاطها في الحفل.
بيج.. حين تصبح الهوية جزءا من ثيمة التحول
ومن «تفاحات الجدل» الأخرى ما أثير حول اختيار إيما ماكي؟ أو، في النقاشات المتداولة حول بعض أدوار الفيلم، حول ممثل متحول جنسياً، وهي مسألة أرى أن التعامل معها يحتاج إلى الخروج من الحساسية الأيديولوجية المعاصرة والعودة قليلاً إلى المادة التي يستند إليها الفيلم نفسه.
فالتحول ليس جسما غريبا عن الميثولوجيا الإغريقية.
على العكس تماماً، ربما تكون الأساطير اليونانية واحدة من أغنى الخزائن الإنسانية بقصص التحول وتبدل الهيئة والهوية والشكل. الآلهة تتحول، والبشر يتحولون، والكائنات تتحول، والتحول قد يكون عقاباً أو خلاصاً أو حيلة أو وسيلة للهرب أو وسيلة لاكتشاف حقيقة مخفية.
يكفي أن نتذكر سيرسي، الساحرة التي تحول رفاق أوديسيوس إلى خنازير.
والتحول ليس مجرد حادثة هامشية في عالم «الأوديسة»، بل هو جزء من البنية العميقة لعالمها المتخيل.
وهناك أيضاً بروتيوس، إله البحر الذي ارتبط بالقدرة على تغيير الهيئة واتخاذ أشكال متعددة. ومن اسمه اشتقت اللغة الإنجليزية كلمة «بروتيان»، التي أصبحت تستخدم لوصف الشخص المتعدد القدرات والأشكال، المتقلب، المرن، القادر على التكيف وتغيير صورته وفق الظروف.
وقد تناولت شخصية بروتيوس وعالم التحول في سياق آخر في مقالتي «غازي القصيبي/ الغزاة القصيبيون: الذات البروتيانية وإشكالية كتابة السيرة الكاملة» المنشورة في مجلة «الراوي» عام 2009، لأن «الذات البروتيانية» نفسها تفتح سؤالاً بالغ الأهمية: هل الإنسان كائن ثابت، أم أنه مشروع دائم للتحول؟
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى حضور شخصية متحولة أو ممثل متحول في فيلم يستند إلى عالم أسطوري شديد الولع بالتحول.

ليس الأمر نشازاً عن الميثولوجيا؛ بل يمكن، من الناحية الفنية، أن يكون منسجماً معها تماماً.
أخيل.. المحارب الذي اختبأ في ثوب عذراء
والمفارقة الأكثر إثارة أن بعض المنتقدين الذين اعترضوا على إشاعة إسناد دور أخيل إلى ممثل متحول، ربما لم يتوقفوا طويلاً أمام واحدة من أكثر حكايات أخيل غرابة في الأسطورة نفسها.
فأخيل، وفق إحدى الروايات الأسطورية، حاول التهرب من الذهاب إلى حرب طروادة.
لم يكن يريد أن يلتحق بالجيش اليوناني، فأخفته أمه في قصر الملك ليكوميديس، حيث عاش متنكراً في هيئة فتاة بين بنات القصر.
أي أن البطل الذي سيصبح لاحقاً رمزاً للقوة والفحولة والحرب، وجد نفسه، قبل أن يدخل الحرب، في موقع معاكس تماماً للصورة التي استقرت عنه في المخيال الغربي: شاب محارب يعيش بين العذارى متخفياً في هيئة امرأة.
ثم جاء أوديسيوس، الذي كان يعرف أين يبحث، ودخل القصر متنكراً في هيئة بائع متجول يحمل معه مجموعة من الحلي والزينة النسائية، لكنه لم ينس أن يضع بينها السيوف والخناجر.
انشغلت الفتيات بالزينة، بينما انجذب أخيل إلى السلاح.
وهنا انكشف.
لقد فضح نفسه بنفسه.

السيف، في تلك الحكاية، لم يكن مجرد سلاح؛ كان علامة على هوية أخيل التي حاول إخفاءها. وما إن رأى السلاح حتى ظهر المحارب المختبئ خلف هيئة العذراء.
وهذه الحكاية وحدها كافية لتذكيرنا بأن الأسطورة الإغريقية لا تنتمي إلى عالم الهويات الجامدة والبسيطة الذي نحاول أحياناً إسقاطه عليها من خارجها.
في عالم الآلهة والأبطال اليونانيين، يمكن للرجل أن يتحول إلى امرأة، ويمكن للمرأة أن تتحول إلى رجل، ويمكن للإنسان أن يتحول إلى حيوان، ويمكن للإله أن يغير هيئته، ويمكن للهوية نفسها أن تصبح قناعاً مؤقتاً.
لذلك فإن الاعتراض على «التحول» في فيلم يستند إلى هذا العالم يحتاج إلى شيء أكثر من الصدمة الأولى.
نولان لا يصنع نسخة من المتحف
المشكلة، في رأيي، أن بعض النقاش حول «الأوديسة» يريد من نولان أن يقدم لنا نسخة متحفية من الملحمة: اليونانيون يجب أن يكونوا يونانيين بالمعنى العرقي المعاصر، والآلهة يجب أن تبدو كما نتخيلها، والأبطال يجب أن يحملوا صورهم المدرسية، وكل تفصيل يجب أن يطابق تصوراً معيناً لـ«الأصالة».
لكن السينما ليست متحفاً.
والاقتباس ليس استنساخاً.
وإذا كان نولان قد قرر أن يدخل إلى «الأوديسة»، فهو لا يدخل إليها ليعيدها إلينا كما قرأناها في الكتب، وإنما ليعيد بناءها وفق لغته السينمائية، ورؤيته للإنسان، وللحرب، وللزمن، وللرحلة، وللعودة.
وهذا لا يعني أن نولان فوق النقد.
على العكس.
كلما كان الفيلم أكبر، كان من حقنا أن نسأل أكثر.
لكن النقد الجاد يبدأ من الفيلم، ومن خياراته الجمالية والفكرية والسردية، لا من البحث عن «فضيحة» صغيرة يمكن تضخيمها على وسائل التواصل الاجتماعي.
قد يكون نولان قد ألقى في طريقنا تفاحات عديدة.
تفاحة الغياب.
تفاحة الهوية.
تفاحة التحول.
تفاحة التمثيل.
وربما تفاحات أخرى لم نكتشفها بعد.
لكن المفارقة أن نولان، وهو يعيد إلى الشاشة «الأوديسة»، قد يكون قد أعاد معها شيئاً من طبيعة الأسطورة نفسها: أن الحكاية العظيمة لا تنتهي عندما ينتهي السرد، بل تبدأ عندما يبدأ الناس في الاختلاف حولها.
وهنا يصبح الجدل نفسه جزءاً من رحلة الفيلم.
فمثلما لم تكن تفاحة إيريس مجرد تفاحة، قد لا تكون اختيارات نولان مجرد اختيارات في «الكاست».
ربما أرادها، وربما لم يردها.
لكن النتيجة واحدة:
لقد ألقى نولان تفاحاته في ساحة النقاش، وتركنا نتقاتل عليها.
وهذه، في حد ذاتها، إحدى علامات الفيلم الذي لا يكتفي بأن يُشاهد، بل يريد أن يُناقش ويُختلف حوله ويظل حاضراً بعد مغادرة قاعة السينما.
وفي زمن تتحول فيه الأفلام الكبرى إلى أحداث ثقافية قبل أن تكون أفلاماً، قد يكون هذا هو المعنى الجديد للـ«بلوكباستر»: ليس الفيلم الذي يملأ القاعات فقط، وإنما الفيلم الذي يخرج من الشاشة، ويستولي على الخيال العام، ويجعل ملايين الناس يتجادلون حول تفاحة لم تكن، في الأصل، سوى تفاحة.
المصدر: وسائل إعلام متخصصة





