
ثريا بوعبيد.. حين يرحل وجه ويبقى الأثر
غادرت ثريا بوعبيد هذا العالم في صمت يشبه هدوءها، لكن رحيلها ترك في الساحة الحقوقية المغربية فراغا ثقيلا، وحزنا لا يشبه سواه. رحلت المرأة التي اختارت، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، أن تجعل من حياتها مساحة مفتوحة للدفاع عن الإنسان، عن كرامته وحريته، وعن حقه في وطن تسوده العدالة والمساواة.
ثريا بوعبيد: كانت تترك أثرها بهدوء وتمضي
لم تكن ثريا من أولئك الذين يبحثون عن الضوء. كانت تترك أثرها بهدوء وتمضي. وجهها الهادئ، ابتسامتها التي لم تكن تفارقها، وطريقتها الرصينة في التعامل، كلها كانت تخفي صلابة كبيرة وإيمانا عميقا بأن الدفاع عن حقوق الإنسان ليس شعارا عابرا، وإنما اختيار حياة.
منذ التحاقها بمنظمة العفو الدولية ـ فرع المغرب سنة 1997، لم يكن العمل بالنسبة إليها مجرد وظيفة تؤدى، بل التزاما أخلاقيا وإنسانيا.
بدأت منسقة للحملات والتحركات، ثم تولت مسؤولية برنامج التربية والتوعية بحقوق الإنسان، قبل أن تصبح من الوجوه الأساسية في مجال التربية على حقوق الإنسان داخل المنظمة.
ربع قرن قضتها ثريا وهي تبني بهدوء وإصرار ثقافة حقوق الإنسان
أكثر من خمسة وعشرين عاما قضتها ثريا وهي تبني، بهدوء وإصرار، ثقافة حقوق الإنسان، وترافق المدافعات والمدافعين عنها، وتفتح مساحات للتوعية والتكوين، وتدافع عن ضحايا الانتهاكات. سنوات طويلة لم تفقد خلالها شيئاً من إنسانيتها الأولى، ولا من قدرتها على أن تكون قريبة من الجميع.
وكانت علاقتها بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان وفروعها، وبخاصة في الجهة الشرقية وفرع تازة، جزءا من هذه السيرة. لم تغير المواقع والمسؤوليات من طبيعتها.
ظلت هي ثريا: أصيلة، متواضعة، قريبة من الجميع، وفية لعلاقاتها مع مختلف القوى المناضلة والمدافعة عن حقوق الإنسان والشعوب.
إنسانيتها لم تكن منفصلة عن نضالها
ولعل أجمل ما في سيرتها أن إنسانيتها لم تكن منفصلة عن نضالها. كانت طيبة دون ضعف، هادئة دون استسلام، ورقيقة دون أن تتخلى لحظة عن صلابتها.
كانت تعرف أن الطريق إلى الحرية طويل، وأن الكرامة لا تمنح، وأن الحقوق تحتاج دائما إلى من يحرسها ويدافع عنها.
حتى المرض، الذي رافقها لسنوات وأثقل جسدها، لم يستطع أن يهزم إرادتها.
قاومته كما قاومت دائماً؛ بصمت، وبكثير من الصبر، وكلما كانت الساحة تستدعي حضورها، كانت تحاول أن تكون هناك، في المحطات الكبرى كانت تظهر لتقول، من دون حاجة إلى كثير من الكلام: أنا هنا، وما زلت معكم في هذه المعركة.
كانت معركة ثريا هي مغرب آخر؛ مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مغرب المساواة بين النساء والرجال، ومغرب لا تكون فيه حقوق الإنسان امتيازا، بل حقا للجميع.
شهادة البوحسيني تكشف شيئا من معدن ثريا الإنساني والنضالي
ولأن بعض الناس يُختصرون في أثرهم لدى الآخرين، جاءت شهادة لطيفة البوحسيني، الناشطة الحقوقية والأستاذة الجامعية، لتكشف شيئاً من معدن ثريا الإنساني والنضالي.
فقد نعتها بكلمات تختصر مسارا كاملا، ووصفتها بأنها «مناضلة حقوقية من صنف خاص، وطينة أصيلة ومعدن صاف»، مشيرة إلى أنها كانت صاحبة ابتسامة لم تفارق وجهها، وإلى أنها راكمت تجربة طويلة ورصيدا سيظل حاضراً في تاريخ النضال الحقوقي المغربي.
وترسم البوحسيني صورة امرأة هادئة، لطيفة، رقيقة، كتومة، رصينة وخلوقة، ذات احتشام ووقار، لكن هذا الهدوء، كما تقول، لم يكن يعني أبدا غياب الصلابة. كانت ثريا ثابتة في مواقفها، مؤمنة بأن ما لا يأتي بالنضال يأتي بالمزيد من النضال.
لبوحسيني الساحة الحقوقية المغربية «فقدت برحيلها أحد أعمدتها البارزة»
وفي كلماتها التي يثقلها الحزن، قالت البوحسيني إن الساحة الحقوقية المغربية «فقدت برحيلها أحد أعمدتها البارزة»، وإن الأصدقاء فقدوا إنسانة طيبة وصديقة للجميع، نالت احترام من عرفها ومحبة كل من قدر له أن يقطع معها بعض الطريق دفاعاً عن الحق وترافعاً عن الكرامة.
أما منظمة العفو الدولية ـ فرع المغرب، التي كانت ثريا جزءاً من ذاكرتها ومسيرتها، فقد ودعتها ببالغ الحزن والأسى، معتبرة أن الحركة الحقوقية فقدت برحيلها مناضلة استثنائية كرست أكثر من خمسة وعشرين عاماً من حياتها لتعزيز ثقافة حقوق الإنسان والدفاع عنها.
وفي نعيها، أكدت المنظمة أن ثريا ظلت طوال مسيرتها وفية لمبادئها ونضالها الحقوقي، وأنها، رغم معاناتها الصحية ومقاومتها الطويلة للمرض، لم تتراجع يوماً عن العمل من أجل ترسيخ قيم حقوق الإنسان والدفاع عن ضحايا الانتهاكات.
العفو الدولية: ثريا شبكة واسعة من المحبة والاحترام والرفقة الإنسانية.
ولم تنس المنظمة الجانب الذي ربما كان الأقرب إلى قلب ثريا: الإنسان. فقد أشارت إلى علاقاتها الإنسانية الواسعة والعميقة مع عضوية المنظمة وشركائها وكل من عايشها في لحظة من اللحظات.
وكأنها تقول إن ما تركته ثريا لم يكن فقط برامج وتقارير وحملات، بل شبكة واسعة من المحبة والاحترام والرفقة الإنسانية.
لهذا يبدو رحيلها أكبر من مجرد فقدان امرأة حقوقية. إنه غياب وجه من الوجوه التي صنعت جزءا من الذاكرة الحقوقية المغربية، وأحد الأصوات التي اشتغلت طويلاً، وفي صمت، على ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان.
لقد فقدت الساحة الحقوقية المغربية أحد أعمدتها البارزة، وفقد أصدقاؤها ورفاقها إنسانة نالت احترام الجميع ومحبة كل من سار معها، ولو لمسافة قصيرة، في طريق الدفاع عن الحق والترافع عن الكرامة.
وفي هذا الرحيل الحزين، يحضر أيضا رفيق دربها عبد اللطيف، الذي ظل إلى جانبها في سنوات المرض والمقاومة، كما يحضر أبناؤهما وأسرتها وأصدقاؤها ورفاقها في منظمة العفو الدولية، وكل الذين تقاطعت طرقهم مع طريقها.
رحلت ثريا، لكن بعض الناس لا يغادرون تماما.
يبقون في الأمكنة التي مروا منها، في الوجوه التي أحبتهم، في المعارك التي خاضوها، وفي القيم التي دافعوا عنها حتى النهاية.
وستبقى ثريا بوعبيد هناك؛ في ذاكرة الذين عرفوها، وفي تاريخ الحركة الحقوقية المغربية، وفي كل معركة من أجل الحرية والكرامة والمساواة.





