
في جماعة إفلا إغير بجهة سوس ماسة، لم يكن الأطفال في طريقهم لمشاهدة كسوف شمسي أو مراقبة خسوف قمري، بل في رحلة تبدو عادية إلى المدرسة الداخلية.. غير أن ما يفترض أن يكون خطوة نحو مستقبل أفضل، تحول إلى كابوس حقيقي بعدما حاصرتهم السيول من كل الجهات.
القرار العبثي: لماذا الأحد؟
بدأت القصة صبيحة الأحد وهو يوم عطلة، حين قرر المسؤولون أن يرسلوا النقل المدرسي ليجمع التلاميذ من دواوير متفرقة ليلتحقوا بالمدرسة الداخلية.. السؤال الأول الذي يفرض نفسه: لماذا أصلاً الأحد؟ ما المشكل في الانتظار إلى الاثنين صباحاً، حيث الظروف تكون أوضح وأقل خطورة؟ هل الأمر يتعلق بصرامة غير معتادة في “الحرص على التعليم”، أم مجرد لامبالاة تُغلفها البيروقراطية؟
نشرات إنذارية… للزينة فقط
كانت الأرصاد الجوية قد أطلقت إنذارات واضحة: عواصف رعدية وأمطار غزيرة في المنطقة.. لكن بالنسبة لمسؤولي النقل المدرسي، يبدو أن هذه النشرات مجرد ورق لتزيين المكاتب أو ملء الصفحات الرسمية.. فالحافلة انطلقت لجمع التلاميذ من قرية إلى أخرى، غير آبهة بالتحذيرات ولا بالسماء التي كانت ترعد فوق الرؤوس.
مأساة على قنطرة مهددة
عند الوصول إلى مشارف قبيلة “تيزركين”، انكشف المشهد الكارثي: الوادي التف حول الحافلة كوحش جائع، محاصرًا الأطفال فوق قنطرة قد تنهار في أي لحظة، كانت دقائق رعب امتدت كساعات، حيث لا فرق انقاد ولا سلطة ولا جماعة، فقط أطفال وواد وسائق يبحث عن معجزة.
إنقاذ بلا دولة
في تلك اللحظات الحرجة، لم يكن القائد ولا رئيس الجماعة ولا حتى عضو منتخب قريب أو بعيد.. و تاهت المسؤولية في دهاليز “ما فراسي والو”.. وحدها أسر الأطفال، بقلوب مفجوعة، خرجت تجري وسط المطر والبرد، تحاول الوصول لفلذات أكبادها، تخاطر بحياتها في غياب أي تدخل رسمي، وبعد محاولات مضنية، تمكنوا بمساعدة السائق من إنقاذ الصغار، عبر نقلهم إلى منطقة أكثر أماناً بين الأشجار حيث لم تصل السيول بقوة،..

لماذا المغامرة بأرواح أطفال في ظل إنذارات جوية رسمية؟ وكيف نفسر غياب أي تدخل من المسؤولين بينما المواطن البسيط تحمل وحده وزر “الإنقاذ”؟
عبرة لم تُستوعب بعد
أن يُنقذ الأطفال بفضل آبائهم لا بفضل جهاز رسمي، فهذه شهادة وفاة لأي حديث عن “مخططات الحماية من الفيضانات” أو “استراتيجيات التنمية القروية”.. فهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، لأننا نكرر نفس السيناريو: تحذيرات تُرمى في القمامة، قرارات عشوائية في قلب الكارثة، والسلطة في سبات عميق.
من المسؤول؟ أين المحاسبة ؟
هذه ليست مجرد واقعة عابرة، بل مرآة لسياسة عبثية في التعامل مع أرواح الناس.. فمقابل حضور دائم للمواسم والمهرجانات الممولة بسخاء في هذه المنطقة ، تغيب أبسط البنى التحتية “كالقناطر والمسالك الآمنة” و ان وجدت فهي في حالة هشاشة تامة؟ كيف يُعقل أن تبقى حياة أطفال رهينة حافلة صدئة وسائق مقهور، في منطقة تعرفها السلطات جيداً بتقلباتها المناخية؟كيف لقراري إداري ان يخرج تحت ضروف مماثلة؟
مأساة مكررة…
إن ما حدث في إفلا إغير ليس حادثاً طبيعياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية للاستهتار.. نتيجة لسياسة “اللامسؤولية” التي تتفنن في إلقاء اللوم على الطبيعة، بينما الحقيقة أن الكارثة صناعة بشرية خالصة: تجاهل نشرات إنذارية رسمية، انعدام خطط استباقية، وغياب شبه تام لأجهزة التدخل السريع.
من يضمن الغد؟
اليوم، الآباء يتنفسون الصعداء لأن أبناءهم عادوا سالمين، لكن الغد قد لا يكون بهذه النهاية السعيدة.
فمن يضمن أن الحادثة لن تتكرر غداً في جماعة أخرى؟ ومن يضمن أن القادم لن يكون مأساة تُضاف إلى أرشيف الكوارث المغربية التي نُسجّلها بالكاميرات وننسى ضحاياها؟
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه، والذي يبدو أن المسؤولين يفضلون دفنه تحت طاولة النسيان: إلى متى ستبقى أرواح المغاربة مرهونة لعبث التدبير المحلي وضعف التنسيق الوطني؟ وإلى متى سيبقى شعار “حسبنا الله ونعم الوكيل” هو الملاذ الأخير للساكنة بدل أن يكون الأمن والكرامة والحق في الحياة ضمانة من الدولة؟




