
من يختبر قدرة الاقتصاد على النجاة؟
تحرير: جيهان مشكور
مرة أخرى، تؤكد المؤسسات المالية المغربية أن القطاع البنكي يتمتع بصلابة كبيرة في مواجهة الأزمات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يكفي استقرار البنوك لطمأنة اقتصاد يواجه تباطؤ النمو، وتراجع القدرة الشرائية، وتحديات الاستثمار والتشغيل؟
التقرير السنوي حول الاستقرار المالي لسنة 2025، الصادر عن بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، يقدم صورة إيجابية عن المنظومة البنكية، مؤكدا أنها ما تزال تتوفر على مستويات مريحة من الأموال الذاتية تمكنها من امتصاص الصدمات الماكرو-اقتصادية المحتملة والحفاظ على توازنها حتى في أكثر السيناريوهات تشاؤما.. غير أن قوة البنوك، مهما بلغت، لا يمكن أن تخفي حقيقة أن الاستقرار المالي لا يساوي بالضرورة استقرارا اقتصاديا، ولا يعني تلقائيا تحسن أوضاع الأسر والمقاولات.
اختبارات الضغط… عندما تُحاكى الأزمات داخل المختبر المالي
وفي إطار تقييم مناعة القطاع، أخضع بنك المغرب ثمانية بنوك رئيسية لاختبارات ضغط ماكرو-اقتصادية بالاعتماد على معطيات نهاية سنة 2025، وذلك عبر ثلاثة سيناريوهات مختلفة: وضعية مرجعية، وسيناريو حاد، وآخر متطرف يفترض وقوع اضطرابات اقتصادية ومالية واسعة.
وأظهرت النتائج أن البنوك قادرة على الحفاظ على مستويات رسملة مريحة واحترام المتطلبات الاحترازية حتى في أسوأ الفرضيات، وهو ما يعكس تطور الإطار الرقابي المغربي وملاءمته مع المعايير الدولية، خاصة مقررات “بازل 3” التي جاءت عقب الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 لتفادي انهيارات مصرفية مماثلة.
لكن هذه الاختبارات، مهما بلغت دقتها، تبقى محاكاة رياضية لسيناريوهات محتملة، بينما الأزمات الحقيقية غالبا ما تحمل متغيرات يصعب توقعها، كما أظهرت جائحة كورونا، وأزمة التضخم العالمية، والاضطرابات الجيوسياسية التي أربكت الأسواق في السنوات الأخيرة.
اقتصاد قوي أم بنوك قوية فقط؟
وتكشف المؤشرات الرسمية أن القطاع البنكي ما يزال الحلقة الأكثر صلابة داخل الاقتصاد المغربي، غير أن هذه القوة تقابلها هشاشة في قطاعات إنتاجية عديدة، فالمقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 95% من النسيج الاقتصادي الوطني، لا تزال تواجه صعوبات في التمويل وارتفاع كلفة الاقتراض، بينما يواصل عدد من الأسر التكيف مع ضغوط المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
وفي المقابل، تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الاقتصاد المغربي يظل رهينا بتقلبات الموسم الفلاحي والظرفية الدولية، في وقت يواصل فيه معدل البطالة تسجيل مستويات مقلقة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، كما أن استمرار موجات الجفاف وارتفاع كلفة الطاقة والنقل يضيف أعباء جديدة على المقاولات، ما يجعل متانة القطاع البنكي غير كافية وحدها لضمان دورة اقتصادية سليمة.
الثقة المالية تحتاج إلى عدالة اقتصادية
الرسالة التي يحملها التقرير واضحة: البنوك المغربية قادرة على الصمود أمام الصدمات.. لكن الرسالة غير المعلنة أكثر أهمية، وهي أن قوة النظام المالي لن تحقق أثرها الكامل ما لم تتحول إلى تمويل أكثر جرأة للاستثمار المنتج، وإلى دعم حقيقي للمقاولات المبتكرة، وإلى تسهيل ولوج الأسر إلى التمويل بشروط متوازنة.
فنجاح المؤسسات البنكية في اجتياز اختبارات الضغط يبعث على الارتياح، لكنه لا يجب أن يتحول إلى ذريعة للاكتفاء بالاحتفاء بالأرقام.. فالمواطن لا يقيس متانة الاقتصاد بنسبة الملاءة المالية، بل بقدرته على إيجاد فرصة عمل، والحفاظ على دخله، وتأمين مستقبل أسرته.
لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام صناع القرار ليس فقط ضمان استقرار البنوك، بل بناء اقتصاد قادر على إنتاج الثروة وتوزيعها بشكل أكثر عدالة، فحين تصبح البنوك قوية بينما يظل الاقتصاد الحقيقي يعاني من اختناقات الاستثمار والإنتاج والتشغيل، فإن الاستقرار المالي يفقد جزءا كبيرا من معناه، ويتحول إلى نجاح محاسبي أكثر منه إنجازا تنمويا.





