الرئسيةحول العالم

وول ستريت جورنال: ترامب يرفع سقف التهديد

لم يعد الحديث في واشنطن يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة سترد على إيران، بل حول حجم الرد ومداه.

فبعد الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير الذي استهدف القوات الأمريكية، تتزايد المؤشرات على أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تقترب من مفترق طرق قد يعيد إشعال مواجهة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، في وقت تتعاظم فيه المخاوف من خروج الصراع عن حدود الضربات المتبادلة.

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن البيت الأبيض يدرس خيارات عسكرية غير مسبوقة، يتصدرها مقترح أعده قائد القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم)، الأميرال براد كوبر، يقوم على إطلاق حملة جوية مكثفة تمتد بين عشرة وأربعة عشر يوماً، تستهدف البنية الصاروخية الإيرانية بهدف تقويض قدرتها على تهديد القوات الأمريكية وحلفائها.

خطة تتجاوز “الرد الانتقامي”

وبحسب الصحيفة، فإن الخطة المطروحة لا تستهدف مجرد الرد على الهجوم الإيراني الأخير، بل تسعى إلى إحداث تغيير استراتيجي في ميزان القوة، عبر استنزاف القدرات الصاروخية الإيرانية وتدمير أكبر قدر ممكن من البنية العسكرية التي تعتمد عليها طهران في فرض معادلة الردع.

ويعكس هذا الطرح قناعة متزايدة داخل القيادة العسكرية الأمريكية بأن الضربات المحدودة لم تعد تحقق أهداف الردع، وأن إيران استطاعت خلال الأشهر الماضية امتصاص الضغوط العسكرية، وإعادة تشغيل جزء من قدراتها، بل والاستمرار في تنفيذ هجمات ضد القوات الأمريكية.

خلاف داخل الإدارة الأمريكية

غير أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية. ففي مقابل رؤية الأميرال براد كوبر، يدعو رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين إلى قدر أكبر من الحذر، محذرا من أن أي حملة واسعة قد تستنزف مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الاعتراض، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات أمنية متزامنة في أكثر من منطقة، من أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ.

هذا التباين لا يعكس خلافا حول ضرورة الرد، وإنما حول كلفته العسكرية والسياسية، وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحمل حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط.

ترامب بين القوة والدبلوماسية

يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق الصحيفة، عالقاً بين خيارين متناقضين؛ فمن جهة يرفع سقف التهديد، متوعدا إيران بضربة “شديدة للغاية”، ومن جهة أخرى يترك نافذة مفتوحة أمام الاتصالات السياسية، في محاولة للحفاظ على هامش للمناورة يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.

ويشير هذا التردد إلى أن الإدارة الأمريكية تدرك أن أي قرار بالتصعيد لن تكون نتائجه مقتصرة على الساحة الإيرانية، بل قد يمتد إلى مجمل المنطقة، ويجر قوى إقليمية ودولية إلى مواجهة يصعب التحكم في مسارها.

إسرائيل في قلب الحسابات

وتزداد احتمالات التصعيد مع الحديث عن تنسيق أمريكي إسرائيلي متواصل، خصوصا بعد لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، عقب اجتماعه مع ترامب.

وتشير هذه اللقاءات إلى أن أي عملية عسكرية أمريكية واسعة قد تشهد مشاركة إسرائيلية مباشرة أو دعما عملياتيا واستخباراتيا، وهو ما قد يدفع طهران إلى توسيع نطاق ردها ليشمل أهدافا إضافية في المنطقة.

هل أخطأت واشنطن في تقدير قوة إيران؟

ورغم إعلان مسؤولين أمريكيين سابقاً أن البرنامج الصاروخي الإيراني تعرض لضربة قاصمة، فإن التطورات الأخيرة أظهرت أن طهران ما زالت تمتلك جزءا مهما من قدراتها العسكرية.

فالضربات التي استهدفت القوات الأمريكية في الأردن، ثم الهجوم الصاروخي الأخير، تعكس قدرة إيران على إعادة تنظيم بنيتها العسكرية، وتشغيل منصات إطلاق محصنة تحت الأرض، إلى جانب تطوير أساليب هجومية جديدة تهدف إلى تجاوز أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية.

وهذا يعني أن الرهان على الضربات الجوية وحدها قد لا يكون كافياً لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها واشنطن.

الشرق الأوسط أمام اختبار جديد

تكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية. فأي حملة جوية أمريكية واسعة لن تقتصر آثارها على إيران، بل قد تمتد إلى أمن الملاحة في الخليج، وأسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن احتمال اتساع رقعة المواجهة لتشمل أطرافا إقليمية أخرى.

وفي المقابل، فإن الاكتفاء برد محدود قد يُفسر داخل واشنطن وتل أبيب على أنه عجز عن استعادة الردع، وهو ما يجعل الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة: التصعيد يحمل مخاطر حرب إقليمية، والتراجع قد يكرس واقعا جديدا تفرض فيه إيران معادلاتها العسكرية.

وبين هذين الخيارين، تبدو إدارة ترامب أمام أحد أكثر القرارات حساسية منذ عودته إلى البيت الأبيض، في وقت يراقب فيه العالم ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو مواجهة مفتوحة، أم أن الدبلوماسية ستنجح مرة أخرى في منع انفجار الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى