اقتصادالرئسيةمجتمع

بين الفقر و«الرفاه الوهمي»..كيف يمتلكون المغاربة سيارات جديدة في زمن الأزمة؟

تحرير: جيهان مشكور

في بلد تتناسل فيه الشكاوى من ارتفاع الأسعار وتآكل الأجور وتدهور القدرة الشرائية، يطفو على السطح مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضاً: شوارع مكتظة بسيارات جديدة لامعة، ومعارض سيارات مزدحمة كأنها أسواق عيد.. فكيف يمكن تفسير هذا “الانفجار” في سوق السيارات بالمغرب، الذي قفز بنسبة 35% خلال عشرة أشهر فقط من عام 2025؟ ومن أين يأتي المغاربة بكل هذا المال في زمن التقشف؟

اقتصاد متعب وسوق مزدهر

بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن الجمعية المغربية لمستوردي السيارات (AIVAM)، بلغ عدد السيارات الجديدة المباعة 186,415 وحدة بين يناير وأكتوبر 2025، أي بزيادة صاروخية قدرها 35.13% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.. المفارقة أن هذه الزيادة لم تقتصر على الفئات العليا أو السيارات المخصصة للشركات، بل شملت بالأساس السيارات الخاصة للأفراد، التي ارتفعت بنسبة 34.5%، ما يعادل 165,202 سيارة جديدة على الطرقات المغربية.

في التفاصيل، تتصدر علامتا “داسيا” و”رونو” الفرنسية المشهد بنسبة نمو مذهلة بلغت 42% و59.52% على التوالي خلال شهر أكتوبر وحده، وكأن المغاربة قرروا جماعياً أن يغيروا سياراتهم في موسم الغلاء هذا.

أما السيارات التجارية الخفيفة، فقد عرفت بدورها ارتفاعاً لافتاً بنسبة 40.18%، مع هيمنة ثلاثي السوق: Fiat وDFSK وRenault، مما يعكس نشاطاً تجارياً متزايداً في النقل والخدمات رغم الركود العام الذي يضرب قطاعات أخرى.

السيارة.. رمز الصمود أم أداة للهروب من الواقع؟

يحمل المشهد قدراً كبيراً من المفارقة.. فبينما تشير تقارير المندوبية السامية للتخطيط إلى تراجع ملموس في القدرة الشرائية، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية بأكثر من 8% في المتوسط خلال 2025، نجد أن المغاربة يشترون السيارات بوتيرة تكاد تضاهي الأسواق الأوروبية.. تناقضٌ يفرض سؤالاً مؤرقاً: هل فعلاً تحسنت مداخيل الأسر المغربية؟.. الواقع اننا أمام مجتمع يستهلك أكثر مما ينتج، ويعيش على القروض أكثر مما يعيش على الدخل، إنها فقاعة رفاه اجتماعي زائف، تُغذيها الإعلانات البنكية وثقافة المظاهر، في وقت تتآكل فيه الطبقة المتوسطة وتزداد الفوارق الاجتماعية اتساعًا.

البنوك وشركات القروض الاستهلاكية فتحت شهيتها على سوق السيارات

و في المقابل تعيش البنوك بدورها أزهى أيامها عبر معادلة التمويل البنكي.. فالبنوك وشركات القروض الاستهلاكية فتحت شهيتها على سوق السيارات، مع عروض تمويل تصل إلى 100% من ثمن السيارة وفترات سداد تمتد إلى سبع سنوات، في ظل تراجع الطلب على القروض العقارية، ووفق بيانات بنك المغرب، فإن حجم القروض الاستهلاكية ارتفع خلال النصف الأول من العام بنسبة تفوق 9%، ما يعني أن المغاربة باتوا يشترون سياراتهم قبل أن يمتلكوا ثمنها، وبفوائد تبتسم لهم في البداية لتنهشهم لاحقاً..

أكثر من 60% من الأسر المغربية تعتبر وضعها المالي “صعباً أو سيئاً”

فالمغرب، الذي يسجل ارتفاعاً في مبيعات السيارات، يسجل أيضاً ارتفاعاً في نسب الفقر والهشاشة وفق المندوبية السامية للتخطيط، ما تؤكده المعطيات الرسمية الصادرة عن بنك المغرب أيضاً .. حيث تكشف ان أكثر من 60% من الأسر المغربية تعتبر وضعها المالي “صعباً أو سيئاً” ، فيما يتوقع أزيد من 80% استمرار ارتفاع الأسعار خلال العام المقبل.. هذه المفارقة بين التشاؤم المالي والاندفاع نحو الشراء توحي بأن المواطن المغربي يعيش “تخديراً استهلاكياً” يمنحه وهم الاستقرار وسط العاصفة.

من الضرورة إلى المظهر الاجتماعي

لم تعد السيارة في المغرب وسيلة نقل فقط، بل تحولت إلى رمز اجتماعي ومؤشر على “النجاح” أو “النجاة” من حافلات مكتظة وسيارات أجرة متقادمة.. ففي المدن الكبرى، يكاد اقتناء السيارة يُعتبر ضرورة للكرامة الشخصية قبل أن يكون ترفاً، أما في القرى والمناطق شبه الحضرية، فقد أصبحت وسيلة لجني الدخل، سواء عبر النقل السري أو خدمات التوصيل أو التجارة المتنقلة.

هذا التحول في ثقافة الاستهلاك يجعل السيارة في المغرب سلعة نفسية بقدر ما هي مادية، تشتري للمغربي إحساساً بالأمان والاحترام في مجتمع تتآكل فيه الطبقة الوسطى وتضيق فيه فرص الترقي الاجتماعي.

سياسة صامتة وواقع متسارع

ورغم هذه الأرقام المذهلة، لم يصدر عن الحكومة أي تحليل رسمي يوضح انعكاسات هذا “الازدهار الاستهلاكي” على الاقتصاد الكلي، فبينما يُفترض أن يؤدي الإقبال على السيارات إلى زيادة الواردات بالعملة الصعبة ورفع فاتورة الطاقة التي تتجاوز أصلاً 150 مليار درهم سنوياً، تلتزم الحكومة صمتاً مطبقاً، وكأنها تخشى أن تعترف بأن “الأزمة” في المغرب ليست اقتصادية بقدر ما هي نفسية وسلوكية.

حيث يعتبر بعض الخبراء الظاهرة دليلا على الانفصام بين الواقع المالي للأسر وسلوكها الاستهلاكي الموجه نحو المظاهر.

رفاه على الحافة

بين أرقام البيع القياسية وصور الازدحام المروري الخانق، يبدو أن المغرب يعيش “فقراً متحركاً على أربع عجلات” .

إنها رفاهية مؤقتة ممولة بالقروض، ومرآة تعكس تناقضات مجتمع يشتكي الغلاء صباحاً ويقود سيارة جديدة مساءً، في النهاية، يظل السؤال معلقاً فوق الإسفلت: هل نحن أمام انتعاش اقتصادي حقيقي أم مجرد “فقاعة من الصفيح” تسير بمحركات القروض نحو مستقبل مجهول؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى