
“جانجباي كاثياوادي”: نشيد الغضب الناعم وقيامة المرأة من رماد العار
بقلم: الكاتب والإعلامي عبدالعزيز كوكاس
يحفر فيلم جانجباي كاثياوادي Gangubai Kathiawadi في الطبقات السفلى للمجتمع الهندي ليقدّم سيرة ذاتية متمردة، بلغة سينمائية مشبعة بالجمال لامرأة اختطفت وبيعت كسلعة لكنها أعادت تشكيل ذاتها وسط الجحيم لتصبح زعيمة الدفاع عن الكرامة النسوية المهدورة.
حكاية شابة من الطبقة الوسطى قادها حلمها نحو السينما والنجومية
الفيلم مستوحى من كتاب “مافيا ملكات مومبي” عن حياة جانجا الشابة، التي هربت من بلدتها الصغيرة كاثياواد للسعي وراء أحلامها في أن تصبح نجمة سينمائية..
المرأة القوية لا تختبئ في المشهد الأخير عندما يتم الاحتفال بانتصارها.
تقبل الصحفي الذي سينشر قصتها على جبهته تقديراً وامتناناً، وتحتفل بأسرة حبيبها الداعم لنضالها في المجال الحقوقي والسياسي الذي قادها لمقابلة نهرو، إنها حكاية شابة من الطبقة الوسطى قادها حلمها نحو السينما والنجومية إلى السقوط في حضن عاشق محتال سرق ذهب عائلتها وسلمها لمنزل للدعارة، لكنها قررت أن تخرج من جرحها العميق بشرف.

لقي فيلم “جانجباي كاثياوادي” الذي تم تصويره في بوليوود نجاحا سينمائيا جماهيريا كبيرا. أخرجه الممثل والملحن والمخرج سانجاي ليلا بهنسالي، وفجر نقاشات سياسية مهمة في مناخ يتجه بقوة نحو المحافظة الجنسية والأخلاقية.
وأحد أكبر النجاحات التي حققها هو غياب الشخصية “العكازية الذكورية” المهيمنة.
وتألق الممثلة علياء بهات التي أدت دور ابنة أحد الأغنياء التي سيحتال عليها عشيقها ليوقعها في منزل للدعارة.. دلوعة، ذكية، جريئة، نجحت علياء بهات في الصمود لساعتين لمنح اللذة ليس لزوارها العنيفين الطالبين للجنس ولكن لكل أولئك التواقين للحرية والمساواة ومناهضي العنف.

ليس “جانجباي كاثياوادي” أول فيلم له شخصية رائدة أو يحكي قصة إنجازات غير عادية لامرأة. كما أنه ليس أول فيلم لسانجاي ليلا بهنسالي عن المرأة، على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى في الإنتاج الضخم لبوليوود الذي تدور فيها قصة فيلم حول المرأة فقط.
لا وجود لشخصية ذكورية مركزية أو أساسية في الحبكة. هناك حضور كل من العاشق المحتقر والداعم، والأخ الصالح والخير، والصديق الذكر المرشد.
ولكن هذه الوجوه لا تطغى على دور المرأة.. فهدف المخرج هو استخدام نظام القيم الأبوي لمصلحة المرأة وفق سيرة ذاتية لأول امرأة كشفت الحجاب عن معاناة عاملات الجنس بالهند.
من بيت الدعارة إلى منصة السلطة
لم تأتِ جانجباي من نبوءة بطولية. كانت فتاة صغيرة من كاثياواد، حلمَت أن تكون ممثلة، فخُدِعت، وبيعت إلى حي “كاماثيبورا” للبغاء. لكن ما إن وطأت قدماها طين وكر الدعارة حتى بدأت بزراعة بذور تمردها.
الفيلم المقتبس عن فصول من كتاب “ملكات مافيات بومباي”، يعيد مساءلة مفاهيم مثل الطهارة، القوة والعائلة، في مجتمع يُشيد على أنقاض النساء.
“جانجباي كاثياوادي” وهي ترجمة صوتية مطابقة للاسم الأصلي، حيث:
”جانجباي”: هو اسم الشخصية الرئيسية، وهي سيدة هندية حقيقية اشتهرت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين في مومباي.
”كاثياوادي”: نسبة إلى إقليم كاثياواد (Kathiawad) في ولاية غوجارات، الذي تنحدر منه جانجباي.
يصور الفيلم الألم الفردي للبطلة التي تعاني فقدان العائلة وخيانة الحب.
يتجسد تمثيل الصوت الأنثوي القوي في حضور وسلوك وصوت جانجباي الذي أدته الممثلة الصاعدة علياء بهات بشكل جميل في الفيلم. الذي يبدو مثل سرد آلام الجنس الناعم المغتصب في كل شيء، يخدعها عشيقها الذي يسلمها لباطرونا بعد وعد بالزواج، تصبح عاملة جنس وتكتشف قيمة جسدها المغتصب بشكل مفجع يوميا، لكنها تعلي من سعره لفرض سيطرتها على التحولات الجارفة التي عاشتها لتصبح بدورها باطرونة ذكية لكن محبوبة من طرف عاملات الجنس.
وترتاح جدا في الحديث إلى صديقها الصحفي الذي سيخرج معاناتها إلى الوجود، هل هي مسؤولة عن مشاعر الانتقام من عشقها الفاشل ومن خيانة ثقة أبيها الذي ظلت تحمل مفاتيح خزنته.. عاطفة الانتقام ليست حبكة الفيلم.
خيبتها في عشيقها، تترجم إلى عزاء في كاماتيبورا، حيث تتفاوض مع القيم الأبوية لضمان الحماية الاجتماعية والتضحية لمساعدتها بنجاح هو طموحها وحلمها الأكبر.
الشخصية كسؤال وجودي نسوي، من الضحية إلى المُقاتِلة
لا يخفي المخرج سانجاي ليلا بهنسالي أسلوبه الباروكي المترف: ديكورات ضخمة، ألوان نارية، موسيقى غارقة في الطرب الهندي الكلاسيكي.
لكن هذا البذخ البصري ليس تزيينيًا، بل يحمل وظيفة درامية: فكل مشهد ملوّن هو غلاف لجسد مُعذب، وكل أغنية راقصة تُخفي خلفها غضبًا وجوديًا هادئًا.
لا تمجد الألوان في الفيلم الفضاء، بقدر ما تحاول أن تفضحه. الدعارة تتحول من جوع جنسي ومغامرة حمراء إلى لعنة في ثوب من ذهب. تبدو جانجباي مكسورة، لكنها لا تبكي طويلاً.
تدرك مبكرًا أن البكاء لا يُغني في مكان لا يُصغي فيه أحد للمقهورين. تسلك طريقاً ثالثاً: لا الهروب ولا الاستسلام، بل تحويل القهر إلى سلطة تفاوض.
– السلطة عبر الجسد، لا ضده، حيث تفرض جانجباي إلى شرعيتها من موقعها كـ”عاملة جنس”. تقول في مشهد بارز:

“نحن لسنا منبوذات، بل هذا المجتمع هو المنبوذ من إنسانيته.”
الأبعاد الرمزية والروحية: الأنثى كأرض مقدسة ملوثة
لحظة لقاء جانجباي لرئيس الوزراء نهرو، ترمز إلى تصعيد الصوت القادم من الهامش إلى قلب النظام. حيث تطلب منه قانونًا يحمي حقوق عاملات الجنس. لكنها لا تتكلم بوصفها ضحية، بل زعيمة جماعة. إنها تُحيلنا هنا إلى مفهوم “التمثيل السياسي من الهامش”، حيث المهمّش لا يتوسل الدخول إلى النظام، بل يفرض وجوده لغةً وشرعيةً.
يمثل كاماثيبورا، الحي الذي تعيش فيه جانجباي، مجازًا لبلد لا يحمي أمهاته، لكن جانجباي، في مفارقة حادة، تصبح “الأم الروحية” للحي، تُطعم، تحمي، وتُربّي… كما لو أن رحمها جُرّح ليصير أوسع من جسدها.
في قلب الفيلم، علاقة جانجباي بالطفلة اليتيمة أفشان، التي تحميها وتمنع استغلالها، هي لحظة انبعاث الأمومة كاختيار أخلاقي يعارض قانون السوق والعار.
تقدّم عليا بهات في هذا الفيلم أداءً يُعتبر من أجرأ وأنضج تجاربها، إذ تمزج بين الانكسار والقوة، الحنان والصرامة. كل تفصيلة في وجهها، من الابتسامة الساخرة إلى نظرة التحدي، تُشير إلى امرأة تسكن جسدها بوعي معقد.
يتأرجح الفيلم بين الموسيقى والغضب، بين الترف والغريزة، لكنه لا يفقد بوصلته. كل جملة في حوار جانجباي مصاغة كطلقة: فيها تحدٍّ، مرارة، وبلاغة عامية تتحدى فصاحة الطبقة العليا.
سينما تمردت على آداب الفضيلة
يُتهم الفيلم أحيانًا بـ”تمجيد شخصية مجرّمة”، لكنه في الحقيقة لا يحتفي بالإجرام بل يفككه من داخله. لا يعرض جانجباي كقديسة ولا كخاطئة، بل كامرأة في منطقة رمادية – تُجسد البطولة النسوية حين تنبع من الهامش لا من المثال.
في مجتمعٍ يخاف المرأة التي تفكر، فماذا يفعل بامرأة “تفكر من بيت الدعارة”؟ هذا هو قلب السؤال.

نجح الفيلم في الدفاع عن حق النساء في أن يُكتبن خارج قوالب الطهر والخطيئة، إنه قصيدة من النار، تؤديها عليا بهات بلغة العيون والجرح، ويخرجها بهنسالي كلوحة مضيئة في عتمة اجتماعية قاسية.
في النهاية، تقف جانجباي أمام جمهورها وتخطب. تقول كلاماً ناعماً، لكننا ندرك أنها تتكلم نيابة عن نساء دفنتهن المعايير وبعثتهن السينما كأصوات تأبى أن تُقهر.





