الرئسيةرأي/ كرونيك

صراع اللوبيات… والدواء يدفع الثمن

بقلم: بثينة المكودي

في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الصيدلية فضاء صحي لخدمة المواطن، يطفو على السطح نقاش حاد يكشف وجها آخر للقطاع، لوبيات مهنية تدافع بشراسة عن امتيازاتها، حتى ولو كان الثمن استمرار ارتفاع أسعار الأدوية وتقييد المنافسة.

التصعيد الأخير الذي تقوده هيئات الصيادلة ضد مجلس المنافسة لا يمكن قراءته فقط كخلاف مؤسساتي، بل كمعركة مصالح تخشى فيها بعض الأطراف من فقدان التحكم في سوق مربح ظل لسنوات بعيدا عن قواعد المنافسة الحقيقية.

خطاب “المظلومية”…وواقع الأرباح

تقدم بعض الهيئات المهنية نفسها اليوم كضحية “إقصاء”، لكنها تتجنب الخوض في جوهر النقاش، فهل فعلا يخدم النموذج الحالي مصلحة المواطن؟

الواقع أن سوق الأدوية في المغرب ظل لعقود محكوما بهوامش ربح مضمونة، ونظام توزيع مغلق نسبيا، يجعل من الصعب دخول فاعلين جدد أو تطوير قنوات أكثر تنافسية، والنتيجة أسعار مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية، وفوارق مجالية في الولوج إلى الدواء.

حين يصبح الإصلاح تهديدا

أي حديث عن تحرير جزئي للسوق أو إعادة النظر في سلاسل التوزيع يقابل بمقاومة شرسة، ليس بدافع حماية الأخلاقيات المهنية كما يُروج، بل خوفا من فقدان ريع اقتصادي مريح.

هنا يبرز دور مجلس المنافسة كمؤسسة يفترض أن تزعج مناطق النفوذ التقليدية، عبر الدفع نحو شفافية أكبر، وتفكيك البنيات الاحتكارية التي تعيق خفض الأسعار وتحسين الخدمات.

المواطن خارج الحسابات

وسط هذا الصراع، يغيب السؤال الأساسي أين مصلحة المواطن؟

المغاربة، خاصة في الفئات الهشة، يواجهون صعوبات متزايدة في اقتناء الأدوية، في ظل غلاء المعيشة وضعف التغطية الصحية الفعلية، وأي تأخير في إصلاح هذا القطاع يعني ببساطة استمرار معاناة يومية غير مرئية في الأرقام، لكنها قاسية في الواقع.

فزاعة “الإضراب”… ضغط أم ابتزاز؟

التلويح بإضراب وطني في قطاع حيوي يطرح أكثر من علامة استفهام، هل هو حق مشروع في الاحتجاج، أم ورقة ضغط لحماية مصالح ضيقة؟

حين يتعلق الأمر بصحة المواطنين، يصبح استعمال هذا السلاح أقرب إلى ابتزاز ناعم للدولة والمجتمع، خاصة إذا كان الهدف منه تعطيل إصلاحات قد تفتح السوق وتخفض الأسعار.

بين المهنة واللوبي

لا أحد ينكر الدور الحيوي للصيادلة، لكن الخلط بين الدفاع عن المهنة والدفاع عن الامتيازات هو أصل الأزمة.

المطلوب اليوم ليس إقصاء الصيادلة، بل كسر منطق اللوبيات، وفتح نقاش شفاف يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويعيد تعريف الصيدلة كخدمة صحية قبل أن تكون نشاط تجاري هدفه الربح وفقط.

معركة من أجل دواء عادل

واخيرا وليس آخرا المعركة الدائرة اليوم ليست تقنية، بل سياسية واجتماعية بامتياز فهل يبقى الدواء سلعة خاضعة لمنطق الربح، أم حق أساسي يجب ضمانه بشروط عادلة؟

الجواب سيحدد ليس فقط مستقبل قطاع الصيدلة، بل أيضا شكل العدالة الصحية في المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى