الرئسيةسياسة

لوبي المحروقات ينتصر..الغلاء بلا سقف

تكشف المعطيات المتقاطعة أن ملف تسقيف أسعار المحروقات لم يكن مجرد نقاش تقني عابر داخل دواليب الحكومة، بل تحول إلى ساحة شد وجذب بين منطق التدخل لحماية القدرة الشرائية ومنطق السوق المفتوحة الذي تدافع عنه لوبيات قوية، فمع تصاعد أسعار النفط دولياً، التي تجاوزت في بعض الفترات عتبة 90 دولاراً للبرميل، برزت دعوات داخلية لإعادة النظر في سياسة التحرير المعتمدة منذ 2015، غير أن هذه الدعوات اصطدمت بجدار من الضغوط المنسقة التي مارستها أطراف نافذة داخل القطاع، مدعومة بامتدادات داخل القرار الحكومي، ما أدى إلى إجهاض خيار التسقيف والإبقاء على الوضع القائم.

ضغوط خلف الستار: حين تُصاغ القرارات خارج الطاولة

تُظهر تفاصيل النقاش الحكومي الذي انطلق بإحداث لجنة تقنية بين وزارية، بتوجيهات من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، و الهدف المعلن كان دراسة انعكاسات ارتفاع أسعار الغازوال والبنزين على الاقتصاد الوطني، خصوصاً أن كلفة النقل تمثل ما بين 20 و30 في المئة من تكلفة الإنتاج في عدة قطاعات، غير أن مسار النقاش انتهى إلى ترجيح كفة الفاعلين في سوق المحروقات، الذين تمكنوا من فرض استمرار تحرير الأسعار، في مشهد يعيد طرح سؤال تضارب المصالح وحدود استقلالية القرار العمومي، خاصة حين يتحول من يفترض فيه التنظيم إلى طرف مستفيد من قواعد اللعبة.

تفاقمُ الأثر الاجتماعي وسط هشاشة القدرة الشرائية

تتجلى انعكاسات هذا الاختيار في واقع يومي يعيشه المواطن، حيث تساهم كل زيادة بدرهم واحد في سعر المحروقات في رفع تكاليف النقل والمواد الأساسية بنسب قد تصل إلى %5، وفق تقديرات متداولة في الأوساط المهنية، وفي بلد تشير فيه أرقام المندوبية السامية للتخطيط إلى أن أكثر من %40 من الأسر تعاني من هشاشة مالية، يصبح ترك الأسعار رهينة لتقلبات السوق الدولية أشبه بتحميل المواطن كلفة لا يتحكم في أسبابها ولا في مآلاتها.

الدعم كبديل… أم كمسكن اجتماعي؟

تسارع الحكومة، في المقابل، إلى إطلاق دعم استثنائي لفائدة مهنيي النقل، في خطوة تعيد إنتاج مقاربة سبق اعتمادها منذ مارس 2022، حيث تم ضخ مليارات الدراهم لدعم القطاع، ويُفترض أن يشمل هذا الدعم مختلف الفئات، من نقل البضائع إلى سيارات الأجرة والحافلات والنقل السياحي، مع فتح باب التسجيل عبر منصة رقمية ابتداءً من 20 مارس 2026. غير أن هذا الإجراء، رغم أهميته الظرفية، يطرح إشكال الاستدامة المالية، خاصة في ظل محدودية الموارد العمومية وارتفاع عجز الميزانية.

بين السياسة والاقتصاد: تضارب مصالح أم سوء تقدير؟

تفضح هذه السياسات مفارقة صارخة، إذ يتم الإبقاء على تحرير الأسعار بدعوى احترام قواعد السوق، ثم يُعاد ضخ أموال عمومية للتخفيف من آثار نفس السوق على الفاعلين، وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يواجه غلاءً متصاعداً دون حماية مباشرة، بينما تتحول الدولة إلى وسيط يمول التوازن بدل أن يصنعه، في معادلة تبدو للوهلة الأولى اقتصادية، لكنها في العمق تعكس اختلالاً في توزيع الكلفة بين من يملك سلطة التأثير ومن يتحمل عبء النتائج.

هكذا، لا تبدو أزمة المحروقات مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل تعبيراً عن خلل أعمق في علاقة الدولة بالسوق، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد، وتتحول القرارات الكبرى إلى تسويات صامتة، يدفع ثمنها الجميع… باستثناء من يملكون القدرة على التأثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى