
لم يعد الحديث عن إعادة الإعمار في المناطق المتضررة من زلزال الحوز مقتصرا على البنية التحتية والإسكان، الذي لازالت تعرف تعثرا رغم مرور أزيد من سنتين، بل بدأ يتجه بشكل متزايد نحو بعد أكثر اخر يرتبط بالهوية الثقافية للسكان.
في هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أن حماية التراث الثقافي، خاصة غير المادي منه، ليست ترفاً فكرياً، بل ركيزة أساسية في أي تصور متكامل لإعادة البناء بعد الكوارث.
التراث غير المادي… ذاكرة لا تُعوَّض
الدراسة، التي أنجزها المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بشراكة مع التحالف الياباني للتعاون الدولي، شددت على أن الكوارث الطبيعية لا تُدمر فقط المباني والمعالم، بل تُربك أيضاً طرق نقل التراث بين الأجيال، بما يشمله من عادات وتقاليد ومهارات ومعارف محلية. وهو ما يجعل من فقدانه خسارة مزدوجة، مادية ورمزية في آن واحد.
إشراك السكان… من ضحايا إلى فاعلين
ومن أبرز خلاصات الدراسة، الدعوة إلى إشراك الساكنة المتضررة في عمليات ترميم التراث، ليس فقط كمتلقين للمساعدة، بل كفاعلين أساسيين في إعادة البناء.
فتمكين هؤلاء من توظيف مهاراتهم التقليدية، سواء في البناء أو الحرف أو الممارسات الثقافية، يساهم في إعادة بناء سبل العيش ويمنح عملية الإعمار بعداً إنسانياً وثقافياً يتجاوز المقاربة التقنية الضيقة.
هذا التوجه، بحسب الدراسة، كفيل بتحويل إعادة الإعمار إلى مشروع جماعي يعيد الاعتبار للمعرفة المحلية، ويُعزز قدرة المجتمعات على الصمود في وجه الكوارث المستقبلية.
حماية قانونية وتخطيط حساس للتراث
ولم تغفل الدراسة الإشارة إلى ضرورة تسريع آليات الحماية القانونية والإدارية للتراث في فترات ما بعد الكوارث، مع التأكيد على إدماج البعد الثقافي ضمن سياسات التهيئة وإعادة الإعمار.
فالتخطيط العمراني، في هذا السياق، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات التراثية للمجالات المتضررة، بدل تعويضها بنماذج جاهزة قد تؤدي إلى طمس الهوية المحلية.
كما دعت إلى إعداد جرد شامل ومُحَيَّن يغطي التراث المادي وغير المادي، بما يسمح بتقييم دقيق للخسائر وتحديد أولويات التدخل، خاصة في ظل التغيرات السريعة التي تفرضها ظروف ما بعد الكارثة.
شبكات مدنية بدل المقاربات المركزية
وفي بعد مؤسساتي، شددت الدراسة على أهمية تعزيز التعاون مع الجمعيات المهتمة بالتراث، وتشجيع إحداث تنظيمات جديدة قادرة على العمل ضمن شبكة متعددة الأقطاب، بدل الاقتصار على نموذج تدبير مركزي محدود الفعالية. هذا التحول من شأنه توسيع دائرة التدخل وضمان استجابة أكثر مرونة لمتطلبات المرحلة.
إعادة إعمار بلا اقتلاع للذاكرة
وختمت الدراسة بالتنبيه إلى مخاطر الترميم السريع غير المدروس، الذي قد يؤدي إلى استبدال غير مقصود للمناظر الطبيعية وأنماط العيش التقليدية.
وهو ما يستدعي، بحسبها، انخراطاً جماعياً للباحثين والمجتمع المدني والمواطنين، لضمان إعادة بناء تحافظ على روح المكان، لا مجرد شكله.
في المحصلة، تضع هذه الدراسة صناع القرار أمام معادلة واضحة: إعادة إعمار قد تنجح في ترميم الحجر، لكنها تفشل في صون الذاكرة، تظل ناقصة، أما المقاربة التي تدمج الإنسان وثقافته في قلب العملية، فهي وحدها الكفيلة ببناء مستقبل أكثر توازناً واستدامة.





