
حملة انتخابية…وزراء يعارضون حكومتهم!
بقلم: بثينة المكودي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، بدأ مشهد سياسي مألوف يتكرر من جديد. وزراء وأعضاء في الحكومة يقودون التجمعات الحزبية، يخطبون في المواطنين، ويتحدثون بحرارة عن غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وتعثر الاستثمار، وهي الملفات نفسها التي تقع تحت مسؤوليتهم المباشرة منذ سنوات.
المفارقة أن هؤلاء يتحدثون اليوم وكأنهم قادمون من خارج دواليب الدولة، لا من داخلها، وكأنهم كانوا مجرد متفرجين على السياسات العمومية، وليسوا من صاغها ووقع مراسيمها وأشرف على تنفيذها.
معارضة من داخل الحكومة
يصعب على المواطن أن يفهم كيف يمكن لوزير لا يزال يمارس مهامه أن ينتقد اختلالات حكومته أمام الجماهير، ثم يعود في اليوم الموالي إلى مكتبه لمواصلة تدبير الملفات نفسها.
هذا الخطاب الانتخابي يحاول رسم صورة “المناضل القريب من هموم المواطنين”، لكنه يصطدم بحقيقة بسيطة؛ وهي أن المسؤولية السياسية لا تتجزأ، وأن من يملك سلطة القرار لا يمكنه أن يقدم نفسه في الوقت نفسه باعتباره ضحية للفشل.
من يتحمل مسؤولية غلاء المعيشة؟
حين يتحدث الوزراء عن تدهور القدرة الشرائية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من وضع السياسات الاقتصادية؟ ومن صادق على قوانين المالية؟ ومن قرر أولويات الإنفاق العمومي؟
وحين ينددون بتغول لوبيات الاستفادة من الدعم العمومي، خاصة في قطاع تربية المواشي، فإن المواطنين ينتظرون معرفة من منح هذا الدعم؟ ومن راقب صرفه؟ ومن فعّل آليات المحاسبة؟
فالحديث عن الاختلالات لا يكفي، إذا لم يرافقه اعتراف بالمسؤولية السياسية والإدارية.
ذاكرة انتخابية انتقائية
في موسم الانتخابات، تتحول المنصات الحزبية إلى فضاءات لإطلاق الوعود، وتوجيه الانتقادات، وكأن السنوات الماضية لم تكن كافية لمعالجة هذه الملفات.
لكن الناخب المغربي أصبح أكثر وعياً، ويحتفظ بذاكرة سياسية لا تقاس فقط بما يقال في المهرجانات، بل بما تحقق على أرض الواقع.
فالوعود الجديدة تفقد قيمتها عندما تصدر عن المسؤول نفسه الذي امتلك أدوات التنفيذ، ولم يقدم النتائج التي وعد بها سابقاً.
ربط المسؤولية بالمحاسبة… لا بالشعارات
ينص الدستور المغربي على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ يفترض أن يطبق أولاً على من تولوا تدبير الشأن العام.
أما تحويل الحملات الانتخابية إلى منصات للتبرؤ من الحصيلة الحكومية، فهو ممارسة تطرح أسئلة جدية حول مفهوم المسؤولية السياسية، وحول مدى احترام ذكاء الناخب.
فالانتخابات ليست مناسبة لإعادة كتابة التاريخ، بل لحصاد ما أنجز، ومحاسبة من أخفق، وتجديد الثقة لمن أوفى بالتزاماته.
قد تنجح الخطب الحماسية في استقطاب التصفيق لساعات، لكنها لا تمحو سنوات من التدبير الحكومي. والمواطن الذي يواجه يومياً غلاء المعيشة، وصعوبة التشغيل، وتراجع القدرة الشرائية، لا يبحث عن وزراء يجيدون لغة المعارضة، بل عن مسؤولين يقدمون حصيلة واضحة، ويتحملون مسؤولية قراراتهم قبل طلب ولاية جديدة.





