قبل عشر سنوات، بدا المشهد وكأنه الفصل الأخير في واحدة من أعظم المسيرات الكروية. ليونيل ميسي جلس غارقا في الدموع بعد خسارة نهائي كوبا أمريكا 2016 أمام تشيلي، ثم أعلن اعتزاله اللعب الدولي، مقتنعا بأن رحلته مع منتخب الأرجنتين انتهت دون أن تحقق حلمها الأكبر.
ليونيل ميسي
في تلك الليلة، لم يكن أحد يتوقع أن القرار الذي هز عالم كرة القدم لن يكون سوى بداية الفصل الأجمل في قصة اللاعب الذي سيعيد كتابة تاريخ اللعبة بقميص “التانغو”.
عندما صار العبء أثقل من الموهبة
لم يكن ميسي يفتقد الإنجازات الفردية أو الألقاب مع برشلونة. كان قد توج بالكرة الذهبية خمس مرات، ورفع دوري أبطال أوروبا أربع مرات، وحطم أرقاما قياسية بدت مستحيلة.
لكن كل ذلك لم يكن كافيا في الأرجنتين.
هناك، لا تقاس الأساطير بما تفعله مع الأندية، بل بما تقدمه للمنتخب الوطني. وكانت المقارنة مع دييغو مارادونا تطارد ميسي في كل مباراة، فيما تحولت النهائيات الضائعة إلى عبء نفسي يزداد ثقلا عاما بعد آخر.
نهائي كوبا أمريكا 2007، ثم نهائي كأس العالم 2014، وبعدهما نهائيان متتاليان أمام تشيلي في 2015 و2016… أربع ضربات متتالية جعلت أفضل لاعب في العالم يبدو عاجزا أمام الحلم الوحيد الذي استعصى عليه.
وحين أهدر ركلته الترجيحية في نهائي 2016، بدا وكأن كل الضغوط انفجرت في لحظة واحدة. خرج ميسي أمام الكاميرات، وقال إن المنتخب لم يعد مكانه، وإن الاعتزال هو القرار الأنسب.
كان اعترافا نادرا بالهزيمة أكثر منه قرارا رياضيا.
العودة التي غيرت التاريخ
لم يستمر الغياب طويلا.
بعد أشهر قليلة فقط، عاد ميسي إلى المنتخب بعد سلسلة من المحادثات والإقناعات، مدركا أن قصته مع الأرجنتين لم تكتب نهايتها بعد.
جاءت العودة في توقيت لم يكن مثاليا. تأهل المنتخب إلى مونديال روسيا 2018 بصعوبة، ثم خرج من ثمن النهائي أمام فرنسا الصاعدة بقيادة كيليان مبابي.
كثيرون اعتقدوا أن ذلك الجيل انتهى بالفعل.
لكن ما لم يكن ظاهرا آنذاك هو أن الأرجنتين كانت تبني نفسها من جديد.
سكالوني… المهندس الذي حرر ميسي
مع وصول ليونيل سكالوني إلى مقعد التدريب، تغير كل شيء.
لم يعد المنتخب يعتمد على عبقرية ميسي وحدها، بل أصبح منظومة جماعية متماسكة، تمنحه الحرية الكاملة لصناعة الفارق، بينما يتولى الآخرون الأعمال الشاقة.
رودريغو دي باول تحول إلى رفيق دائم يحمي المساحات من حوله، بينما منح إيميليانو مارتينيز المنتخب شخصية جديدة في المباريات الكبرى، خصوصا في ركلات الترجيح.
وفي الوقت نفسه، نضج جيل كامل من اللاعبين؛ إنزو فيرنانديز، أليكسيس ماك أليستر، جوليان ألفاريز، لاوتارو مارتينيز، تياغو ألمادا، وباولو ديبالا، ليصبح ميسي للمرة الأولى محاطا بفريق لا يعتمد عليه وحده.
كان ذلك هو الفارق الحقيقي.
اللحظة التي اكتملت فيها الأسطورة
ابتداء من 2021، بدأت الألقاب تتدفق.
كوبا أمريكا أنهت انتظارا امتد 28 عاما، ثم جاءت كأس الفيناليسيما، قبل أن يبلغ المشروع ذروته في مونديال قطر 2022.
هناك، لم يكتف ميسي بحمل الكأس التي طال انتظارها، بل قدم البطولة الأهم في مسيرته، مسجلا سبعة أهداف، ومتوجا بجائزة أفضل لاعب، قبل أن يرفع الكأس التي ظلت لعقود بعيدة عن الأرجنتين.
في تلك اللحظة، انتهى الجدل الذي استمر سنوات.
لم يعد السؤال: هل يضاهي مارادونا؟
بل أصبح السؤال: هل يوجد لاعب جمع بين الاستمرارية والإنجاز كما فعل ميسي؟
عشر سنوات… والرجل نفسه أكثر اكتمالا
بعد تتويجه بكوبا أمريكا 2024، دخل ميسي مونديال 2026 بعقل مختلف وجسد يعرف كيف يدير المباريات.
لم يعد يعتمد على الانطلاقات الطويلة أو السرعة التي ميزت بداياته، بل على قراءة اللعب، والتمركز، واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية.
ورغم تقدمه في السن، يتصدر هدافي كأس العالم 2026 بثمانية أهداف، كما عزز رقمه القياسي كأفضل هداف في تاريخ نهائيات المونديال برصيد 21 هدفا.
والأكثر إثارة أن حصيلته التهديفية بعد سن الخامسة والثلاثين في كأس العالم أصبحت تعادل ضعف ما سجله في سنوات شبابه الأولى، في مفارقة تؤكد أن النضج قد يكون أكثر حسما من اللياقة البدنية.
الأسطورة التي رفضت النهاية
تبدو قصة ليونيل ميسي اليوم أقرب إلى رواية عن الإصرار منها إلى مجرد مسيرة لاعب كرة قدم.
الرجل الذي اعتقد، ذات مساء حزين في صيف 2016، أن كل شيء انتهى، يقف بعد عقد كامل على أعتاب إنجاز عالمي جديد، حاملا منتخب الأرجنتين نحو حلم الاحتفاظ بلقب كأس العالم.
وفي زمن اعتادت فيه الأساطير أن تخبو مع تقدم العمر، يواصل ميسي إثبات العكس.
فبعض اللاعبين يصنعون التاريخ… أما القلة النادرة، فتمنح التاريخ فصولا جديدة كلما ظن الجميع أن الرواية انتهت.