
في الديمقراطيات المستقرة، تصنع الانتخابات الأحزاب وتفرز القيادات من داخلها، أما في الأنظمة التي تُعاد فيها هندسة المشهد السياسي باستمرار، فإن الصورة تكون مختلفة؛ إذ لا تبدأ المعركة الانتخابية مع فتح باب الترشيحات، بل قبل ذلك بوقت طويل، عبر إعادة توزيع الأدوار، ونقل الشخصيات النافذة بين الأحزاب، وإعادة تلوين الوجوه التكنوقراطية بألوان سياسية جديدة، بما يخدم توازنات المرحلة المقبلة.
إعادة ترتيب موازين القوى استعدادا لمرحلة سياسية جديدة
ولم يعد مألوفا في المغرب أن يستيقظ الرأي العام، قبيل كل استحقاق انتخابي، على أخبار تتحدث عن التحاق مسؤولين تكنوقراط أو شخصيات نافذة بأحزاب بعينها، قبل أن تتحول تلك الأخبار، بعد فترة من الصمت أو النفي الضمني، إلى وقائع سياسية قائمة.
إنها واحدة من الآليات التي ظلت حاضرة في إدارة المشهد الحزبي، حيث لا يتعلق الأمر فقط بحرية الأفراد في اختيار انتماءاتهم، وإنما أيضا بإعادة ترتيب موازين القوى استعدادا لمرحلة سياسية جديدة.
في هذا السياق، تكتسب الأنباء المتداولة بشأن قرب التحاق الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بحزب الأصالة والمعاصرة، أهمية تتجاوز مجرد انتقال مسؤول حكومي من موقع التكنوقراط إلى العمل الحزبي، لأنها قد تعكس بداية إعادة رسم الخريطة السياسية استعداداً لانتخابات 2026.
صمت لم يكن كافيا لتبديد التكهنات
ورغم أن لقجع لم يصدر أي تصريح يؤكد أو ينفي هذه الأخبار، كما لم يخرج حزب الأصالة والمعاصرة ببلاغ رسمي يحسم الجدل، فإن هذا الصمت لم يكن كافيا لتبديد التكهنات، بل ربما زادها قوة.
والسبب لا يعود فقط إلى أهمية الرجل داخل الدولة، وإنما أيضاً إلى أسلوب التواصل الذي ارتبط باسمه خلال السنوات الأخيرة. فقد اعتاد الرأي العام، في الملفات التي يكون لقجع طرفاً فيها، سواء بصفته وزيرا أو رئيسا للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، على سيناريو متكرر؛ تتداول وسائل الإعلام معطيات معينة، يعقبها صمت أو نفي غير مباشر أو تحفظ رسمي، قبل أن تتأكد تلك المعطيات لاحقا عبر بلاغات رسمية أو قرارات معلنة.
لذلك، لا يقرأ كثيرون غياب النفي باعتباره نفيا بل باعتباره جزءا من طريقة مألوفة في تدبير التواصل السياسي والإعلامي.
هذه السابقة المتكررة تجعل المتابعين أكثر ميلا إلى التعامل مع الأخبار المتداولة باعتبارها مؤشرات تستحق التوقف، لا مجرد إشاعات عابرة.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كان لقجع سينضم إلى “البام” أم لا، بل بما قد يعنيه هذا الانضمام سياسياً.
فإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لن يكون مجرد استقطاب اسم انتخابي قوي، بل رسالة سياسية متعددة الأبعاد. فوزي لقجع ليس وزيراً عادياً داخل الحكومة، بل يعد أحد أكثر المسؤولين تأثيراً في تدبير الملفات المالية والاستراتيجية، كما أصبح، من خلال رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أحد أبرز الوجوه المغربية ذات الحضور الدولي والإفريقي، خاصة بعد النجاحات الرياضية والتنظيمية التي حققتها المملكة.
إدخال شخصية بهذا الوزن إلى حزب سياسي، وقبيل أشهر من الانتخابات، يعني عمليا ضخ رأسمال رمزي وسياسي كبير داخل الحزب، ويمنحه صورة الحزب القادر على استقطاب “رجال الدولة”، لا مجرد المنتخبين التقليديين.
ومن زاوية أخرى، قد يُقرأ هذا التطور باعتباره مؤشرا على إعادة ترتيب مراكز القوة داخل الأغلبية الحالية.
فالأحزاب لا تتنافس فقط على المقاعد، وإنما أيضا على من يمتلك أفضلية قيادة الحكومة المقبلة. وفي هذا السياق، يصبح استقطاب شخصية بحجم لقجع استثمارا سياسيا يتجاوز حدود دائرة بركان إلى معادلة رئاسة الحكومة نفسها.
تداول اسم لقجع سواء انتهى بالتحاقه بالحزب أو لم ينته يؤدي وظيفة سياسية قائمة بذاتها
غير أن قراءة أخرى لا تقل أهمية تذهب إلى أن تداول اسم لقجع، سواء انتهى بالتحاقه بالحزب أو لم ينته، يؤدي وظيفة سياسية قائمة بذاتها.
ففي السياسة، لا تصنع الوقائع وحدها التأثير، بل تصنعه أيضاً التوقعات والانطباعات. وإثارة اسم مسؤول يحظى بصورة “الرجل المنجز” تعيد رسم صورة الحزب الذي يُنسب إليه، وترفع من أسهمه لدى جزء من الرأي العام، كما تبعث رسائل إلى الفاعلين السياسيين بشأن اتجاهات المرحلة المقبلة.
وهنا تكمن خصوصية المشهد المغربي؛ فبدلا من أن تتنافس الأحزاب على إنتاج قياداتها من داخل مؤسساتها وهياكلها، كثيرا ما تنتظر وصول شخصيات جاهزة، صنعت حضورها داخل مؤسسات الدولة أو الإدارة أو المؤسسات العمومية، لتتحول فجأة إلى واجهات انتخابية.
وهذا النموذج يطرح سؤالا أعمق حول طبيعة الحياة الحزبية نفسها: هل أصبحت الأحزاب فضاءات لإنتاج النخب والبرامج، أم مجرد أوعية تستقبل الشخصيات النافذة عندما يحين موعد الانتخابات؟
في الديمقراطيات الراسخة ينخرط المسؤول في الحزب ويصعد داخله تدريجيا
قد يقال إن انتقال الكفاءات إلى العمل الحزبي أمر طبيعي في كل الديمقراطيات، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن الفارق يكمن في التوقيت والسياق. ففي الديمقراطيات الراسخة، ينخرط المسؤول في الحزب ويصعد داخله تدريجياً، بينما في حالات كثيرة داخل المشهد المغربي، يظهر الانتماء الحزبي في اللحظة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية مباشرة، وكأن اللون الحزبي يصبح مجرد غلاف سياسي لشخصية اكتسبت وزنها خارج الأحزاب.
لهذا، فإن قضية فوزي لقجع، سواء انتهت بإعلان رسمي أو بقيت في دائرة التكهنات، تتجاوز شخصه، لأنها تعيد طرح سؤال قديم يتجدد مع كل انتخابات: من يصنع الخريطة السياسية فعلا؟ وهل تتشكل موازين القوى عبر التنافس الحزبي الطبيعي، أم عبر إعادة توزيع الشخصيات المؤثرة بين الأحزاب وفق متطلبات كل مرحلة؟
قد يحمل المجلس الوطني المقبل لحزب الأصالة والمعاصرة الجواب النهائي عن مصير هذه الأنباء، لكن المؤكد أن مجرد تداول اسم فوزي لقجع بهذا الزخم يكشف أن معركة انتخابات 2026 بدأت بالفعل، ليس عبر البرامج أو النقاش العمومي، وإنما عبر إعادة هندسة موازين القوة، وتوجيه الأنظار نحو الوجوه التي قد تقود المرحلة المقبلة.





