الرئسيةمجتمع

بورقية: عشرية التعليم.. حصيلة صادمة

المدرسة المغربية خارج الزمن..

اعترفت رحمة بورقية، رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بأن إيقاع تعاقب الأجيال أصبح أسرع بكثير من قدرة المنظومة التربوية على إعداد المناهج والبرامج وتكوين الأطر التربوية ومواكبتها، وهو تصريح يبدو للوهلة الأولى وصفا لواقع عالمي، لكنه في الحالة المغربية يحمل دلالة أكثر عمقا؛ إذ يكشف حجم الهوة التي اتسعت بين المدرسة والمجتمع، وبين ما يحتاجه المتعلم وما تقدمه المؤسسات التعليمية.

فالعالم يعيش اليوم ثورة رقمية متسارعة، يقودها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والانفجار المعرفي، بينما لا تزال المدرسة المغربية تكافح لتجاوز اختلالات أساسية في جودة التعلمات، والاكتظاظ، والتفاوتات المجالية، ونقص التأطير.

مليارات الإصلاح… والنتائج دون الطموح

تأتي تصريحات بورقية بعد مرور عشر سنوات على إطلاق الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، وست سنوات على دخول القانون الإطار حيز التنفيذ، وهي مدة كافية لطرح السؤال الذي يتردد داخل المجتمع المغربي: ماذا حققت كل هذه الإصلاحات؟

فالمغرب يخصص سنويا أكثر من 80 مليار درهم لقطاع التربية الوطنية، أي ما يقارب 6% من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تقترب من المعدلات الدولية، ومع ذلك، ما تزال المؤشرات الدولية، وعلى رأسها اختبارات “PISA” و”TIMSS”، تضع مستوى التلاميذ المغاربة في مراتب متأخرة مقارنة بعدد من الدول ذات الإمكانيات المشابهة، بينما تشير معطيات المؤسسات الرسمية إلى استمرار الهدر المدرسي الذي يغادر بسببه مئات الآلاف من التلاميذ مقاعد الدراسة سنويا، خاصة في العالم القروي.

إن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بحجم الإنفاق، بل بكيفية تدبيره، وبقدرة الإصلاحات على التحول من شعارات إلى نتائج ملموسة داخل الفصول الدراسية.

جيل “ألفا”… ومدرسة خارج الزمن

وأكدت رئيسة المجلس أن جيل “ألفا” لا يمكن تربيته بالأساليب نفسها التي اعتمدت مع جيل “زد” أو الأجيال السابقة، مشيرة إلى أن المطلوب لم يعد يقتصر على توفير البنية التحتية الرقمية، بل يفرض اعتماد مناهج تربوية مبتكرة وطرق تدريس حديثة وأساليب جديدة في التدبير.

غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع لا يزال يعرف تفاوتا كبيرا في الولوج إلى التكنولوجيا، واستمرار مؤسسات تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، فضلا عن استمرار معاناة عدد من الأطر التربوية مع برامج التكوين المستمر، وهو ما يجعل الحديث عن مدرسة رقمية متطورة يبدو، في كثير من الأحيان، سابقا لأوانه.

عشرية الإصلاح… ساعة الحقيقة

وأعلنت بورقية أن الهيئة الوطنية للتقييم أنجزت تقريرا حول حصيلة عشر سنوات من الإصلاح، إلى جانب “إطار الأداء” الذي سيقيس مؤشرات المنظومة بين 2015 و2025، إضافة إلى أطلس ترابي يرصد التفاوتات المجالية في التربية، مؤكدة أن المجلس سيناقش هذه التقارير خلال شهر أكتوبر المقبل، على أن يستكمل في دجنبر تحليل نتائج البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات التلاميذ لسنة 2026.

وتؤكد رئيسة المجلس أن هذه التقارير ستعتمد على مؤشرات دقيقة لقياس مدى فعالية الإصلاحات وجودة مكونات المنظومة وتأثيرها على مردودية التعليم وضمان الإنصاف بين جميع أبناء المغرب.

لكن الرأي العام ينتظر أكثر من تقارير جديدة.. فالتشخيص لم يعد ينقص المنظومة، بقدر ما ينقصها التنفيذ والمحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج، والمغاربة سمعوا، طوال عقدين، عن عشرات البرامج والمخططات والاستراتيجيات، بينما بقي السؤال نفسه يتكرر مع كل إصلاح: لماذا تتغير الوثائق، ولا تتغير المدرسة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى