الرئسيةسياسة

بيرواين يطعن في دستورية قانون المحاماة

لم يعد الجدل حول مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة مقتصرا على تفاصيل تقنية أو مهنية، بل انتقل إلى مستوى دستوري يضع فلسفة النص برمتها تحت المجهر. فبعد إحالة المشروع على المحكمة الدستورية، تتوالى المذكرات والقراءات القانونية التي تشكك في مدى انسجامه مع دستور 2011، وسط تحذيرات من أن بعض مقتضياته قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة وهيئات المحامين على نحو يمس باستقلالية الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا السياق، قدم النقيب السابق لهيئة الدار البيضاء، حسن بيرواين، قراءة نقدية واسعة اعتبر فيها أن المشروع يحمل اختلالات دستورية وتشريعية تستوجب المراجعة قبل دخوله حيز التنفيذ.

كما اعتبر النقيب السابق لهيئة المحامين بالدار البيضاء، حسن بيرواين، أن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بصيغته التي صادق عليها مجلس النواب في قراءة ثانية وأحالها إلى المحكمة الدستورية، يتضمن مقتضيات تمس بجوهر الضمانات الدستورية، وتثير إشكالات عميقة تتعلق باستقلالية مهنة المحاماة، والأمن القانوني، وشروط المحاكمة العادلة.

وفي ورقة تحليلية اطلعت عليها جريدة “دابا بريس”، أكد بيرواين أن المسار التشريعي للمشروع اتسم بـ”تقلبات وتعديلات متكررة” منذ عرضه على مجلس الحكومة إلى غاية القراءة الثانية داخل البرلمان، معتبراً أن هذا المسار يعكس غياب الانسجام التشريعي ويفصح عن نص لم يبلغ درجة النضج المطلوبة قبل إحالته على المحكمة الدستورية.

تعديلات متراكمة تكشف اختلالات تشريعية

ويرى بيرواين أن كثرة التعديلات لا تشكل، في حد ذاتها، سبباً للحكم بعدم الدستورية، لكنها تكتسب بعداً دستورياً عندما تفضي إلى تناقضات داخلية وصياغات فضفاضة وإحالات مفرطة على نصوص تنظيمية، بما يضعف وضوح القاعدة القانونية وقابليتها للتطبيق، وهو ما اعتبره مساساً بمبدأ الأمن القانوني الذي يكفله الفصل السادس من الدستور.

وأشار إلى أن المادة 78 خضعت لتعديلات متلاحقة خلال مختلف مراحل التشريع، فيما أثار استعمال مصطلح “الشعارات” في المادة 50، إلى جانب حذف عشرات المواد المرتبطة بهيكلة المؤسسة الوطنية للمحامين، تساؤلات حول منهجية إعداد المشروع، معتبراً أن معالجة هذه التغييرات كانت تستدعي إعادة صياغة شاملة بدل إدخال تعديلات جزئية ومتفرقة.

كما سجل، بحسب الورقة، تراجعاً عن عدد من المبادئ التي تم الاتفاق بشأنها بين الحكومة وممثلي المهنة، معتبراً أن مبدأ التشاور ليس إجراءً شكلياً، بل التزام دستوري يقتضي احترام ما تم التوافق عليه خلال جلسات الحوار.

“اختلال في التوازن” بين النيابة العامة والدفاع

وفي الجانب المتعلق بالمحاكمة العادلة، يرى بيرواين أن المشروع يمنح النيابة العامة ووزارة العدل صلاحيات واسعة على حساب استقلالية الدفاع، بما يخل بالتوازن الواجب بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع داخل منظومة العدالة.

واعتبر أن المشروع يقر أيضاً استثناءات في الولوج إلى المهنة لا تستند إلى مبدأ المعاملة بالمثل أو الاتفاقيات الدولية، بما يثير، وفق تقديره، إشكالات مرتبطة بالمساواة وتكافؤ الفرص.

تناقض في حصانة المحامي

وسجل بيرواين وجود تناقض بين مقتضيات المشروع المتعلقة بحصانة المحامي أثناء ممارسة الدفاع، موضحاً أن المادة 78 تحمي المحامي من المساءلة بشأن ما يورده في مرافعاته ومذكراته متى كان ذلك ضرورياً للدفاع، بينما تفتح المادة 81 الباب أمام متابعته جنائياً في حالات السب أو القذف أو التهديد، معتبراً أن هذا الاستثناء صيغ بعبارات فضفاضة قد تفضي إلى ملاحقات كيدية تمس بحرية الدفاع.

كما انتقد منع رفع الشعارات داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات، معتبراً أن هذا المقتضى يقيد حق المحامين في الاحتجاج السلمي.

رقابة موسعة على المهنة

وفي محور استقلالية المهنة، قال بيرواين إن المشروع، رغم تأكيده أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، يوسع من نطاق الرقابة الإدارية والقضائية عليها، من خلال منح وزارة العدل صلاحيات في تنظيم مباراة الولوج إلى معهد التكوين والترخيص لبعض مكاتب المحاماة الأجنبية، فضلاً عن توسيع اختصاصات الوكيل العام للملك في مراقبة مكاتب المحامين وحساباتهم والتدخل في المساطر التأديبية والطعن في قرارات الهيئات المهنية.

ويرى أن هذه الصلاحيات تتجاوز الرقابة على المشروعية لتصل إلى التأثير في التسيير الذاتي للمهنة، بما يحد من استقلالية المؤسسات المهنية للمحامين.

انتقادات للمسطرة التأديبية

وانتقد بيرواين كذلك بنية النظام التأديبي المنصوص عليه في المشروع، معتبراً أنه يجمع بين سلطات المتابعة والتحقيق والتصويت على العقوبة في يد جهة واحدة، بما يمس بمبدأ الحياد وضمانات المحاكمة التأديبية العادلة.

كما سجل أن المشروع يمنح الوكيل العام دوراً محورياً في توجيه المساطر التأديبية، سواء عبر إحالة الشكايات أو الطعن في قرارات الحفظ أو نقل الملفات إلى غرفة المشورة، فضلاً عن استعمال أوصاف عامة مثل “الإخلال بالوقار أو الشرف أو الأمانة” دون تحديد دقيق للمخالفات، وهو ما قد يفتح المجال أمام تأويلات واسعة.

تحفظات بشأن رقابة المجلس الأعلى للحسابات

وفي جانب آخر، اعترض بيرواين على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، معتبراً أن الأموال المودعة بالحساب تعود للمتقاضين والموكلين ولا تكتسي صفة المال العام، الأمر الذي يجعل هذه الرقابة، بحسب رأيه، غير منسجمة مع مقتضيات الفصل 147 من الدستور، كما قد تمس بسرية العلاقة بين المحامي وموكله.

الإضراب والتمثيلية داخل الهيئات

ويرى بيرواين أن المشروع يقيد عملياً حق المحامين في الإضراب، من خلال منع التوقف الجماعي عن تقديم المساعدة للقضاء وفرض عقوبات تأديبية قد تصل إلى التوقيف أو التشطيب من الجدول، معتبراً أن هذه المقتضيات تضع المشروع في مواجهة مباشرة مع الفصل 29 من الدستور الذي يكفل الحق في الإضراب.

كما سجل وجود تناقضات تنظيمية تتعلق بانتخاب مجالس الهيئات، من بينها حرمان النقباء السابقين من الترشح دون مبرر موضوعي، فضلاً عن تعارض بين المواد المنظمة لتمثيلية النساء داخل المجالس، معتبراً أن هذه الاختلالات تخلق فراغاً تشريعياً قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية جديدة، بدل أن يحسمها المشروع.

وتكشف ملاحظات حسن بيرواين أن جوهر الاعتراض لا ينصب على مواد معزولة، بل على الفلسفة العامة التي يقوم عليها مشروع القانون. فبحسب قراءته، يتجه النص إلى توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية والنيابة العامة داخل مجال يفترض أن يقوم على التنظيم الذاتي والاستقلالية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى احترام التوازن بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لدولة الحق والقانون. وإذا تبنت المحكمة الدستورية جزءاً من هذه الدفوع، فقد يجد المشروع نفسه أمام مراجعات جوهرية تمس بنيته الأساسية.

كما تعكس هذه المذكرة القانونية أن مشروع قانون المحاماة تجاوز كونه إصلاحاً مهنياً ليصبح اختباراً حقيقياً لجودة التشريع في المغرب. فالتعديلات المتكررة، والتناقضات بين المواد، والصياغات التي وُصفت بالفضفاضة، تعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر يتعلق بمدى قدرة المنظومة التشريعية على إنتاج نصوص مستقرة وواضحة ومتوافقة مع الدستور. لذلك، فإن قرار المحكمة الدستورية المرتقب لن يحسم فقط في مستقبل قانون المحاماة، بل سيشكل أيضاً مؤشراً على حدود الرقابة الدستورية في تكريس الأمن القانوني وجودة التشريع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى