الرئسيةمجتمع

جيتكس تحت مجهر الإنفاق العمومي

19 مليون درهم إضافية…

تحرير: جيهان مشكور

في الوقت الذي تواجه فيه المالية العمومية ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع كلفة تعميم الحماية الاجتماعية، واستمرار الخصاص في قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل، تفرض الأرقام المتعلقة بميزانية تنظيم معرض “جيتكس أفريقيا 2026” نقاشاً مشروعاً حول أولويات الإنفاق العمومي وحكامة تدبير التظاهرات الكبرى..

فبينما لم تشهد مساحة المعرض أي توسع يُذكر، ارتفعت ميزانية التنظيم من “112.37 مليون درهم” سنة 2025 إلى “131.42 مليون درهم” سنة 2026، أي بزيادة تجاوزت “19 مليون درهم”، اي بنسبة نمو بلغت 17%.

مساحة شبه ثابتة… وفاتورة تتضخم

تكشف المقارنة بين الدورتين أن المساحة المخصصة للمعرض تراجعت بشكل طفيف من 55,500 متر مربع إلى 55,250 متراً مربعاً، أي بانخفاض 250 متراً مربعا، بما يعادل0.5% فقط، ورغم ذلك، سجلت الميزانية قفزة مالية مهمة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأشغال والخدمات الجديدة التي رفعت الكلفة بهذا الحجم، ومدى انعكاسها على جودة التظاهرة ومردوديتها الاقتصادية.

ولا يعني طرح هذه الأسئلة التشكيك في أهمية استضافة المغرب لأكبر معرض تكنولوجي في القارة، بل التأكيد على أن أي زيادة في الإنفاق العمومي ينبغي أن تكون مدعومة بمبررات واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية.

الأرقام وحدها لا تصنع النجاح

وفق تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فإن الاقتصاد الرقمي أصبح من أسرع القطاعات نمواً في العالم، إذ يساهم بأكثر من 15% من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي”، بينما يراهن المغرب بدوره على التحول الرقمي وجذب الاستثمارات التكنولوجية.. لكن نجاح هذا الرهان لا يقاس بحجم الميزانيات المرصودة للتظاهرات، بل بما تحققه من نتائج ملموسة، سواء من حيث الاستثمارات المستقطبة، أو الشراكات الموقعة، أو فرص الشغل التي يتم خلقها، أو القيمة المضافة التي تستفيد منها المقاولات المغربية الناشئة.

وفي المقابل، تؤكد معطيات “المندوبية السامية للتخطيط” استمرار تحديات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وهو ما يجعل الرأي العام أكثر حساسية تجاه أي ارتفاع في النفقات العمومية لا تصاحبه معطيات دقيقة حول عائدها الاقتصادي والاجتماعي.

بين التفسير والمساءلة

قد تكون الزيادة في الميزانية مرتبطة بتجهيزات تقنية أكثر تطوراً، أو تعزيز الجوانب الأمنية واللوجستية، أو استضافة عدد أكبر من الوفود والخبراء الدوليين، وهي اعتبارات قد تبرر جزءاً من الكلفة الإضافية.. غير أن هذه الفرضيات تبقى بحاجة إلى توضيحات رسمية مفصلة، لأن الشفافية هي الضامن الأول لثقة المواطنين في كيفية تدبير المال العام.

فالممارسات الدولية في إدارة المعارض الكبرى تعتمد على نشر تقارير مالية وتقنية تبين بدقة حجم الإنفاق، ومصادر التمويل، والعائد الاقتصادي المحقق، حتى يتمكن الرأي العام من تقييم النتائج استناداً إلى الأرقام لا إلى الشعارات.

الشفافية… معيار النجاح الحقيقي

القضية، في جوهرها، لا تتعلق بمعارضة تنظيم تظاهرات دولية أو التقليل من أهمية التحول الرقمي، وإنما بترسيخ ثقافة ربط الإنفاق العمومي بالمردودية والمحاسبة. فنجاح “جيتكس أفريقيا” لن يقاس فقط بعدد العارضين والزوار، بل أيضاً بقدرة الجهات المنظمة على تقديم حصيلة شفافة تفسر أسباب ارتفاع الميزانية، وتبرز الأثر الاقتصادي الحقيقي لكل درهم أُنفق.. وحين يتعلق الأمر بالمال العام، لا تكفي التكنولوجيا وحدها لإقناع المواطنين؛ بل تظل الشفافية والمساءلة هما الابتكار الحقيقي الذي ينتظره الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى