الرئسيةمجتمع

5 مليارات درهم مداخيل..من يستفيد من ثروة البحر؟

5 مليارات درهم من البحر…

تكشف معطيات المكتب الوطني للصيد البحري الخاصة بالنصف الأول من سنة 2026 عن مفارقة اقتصادية لافتة تستحق قراءة تتجاوز الأرقام المجردة؛ فبينما ارتفعت القيمة المالية لمنتجات الصيد الساحلي والتقليدي إلى نحو 5 مليارات درهم، بزيادة بلغت 2% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025.

كما انخفضت الكميات المسوقة إلى 367.184 طناً، أي بتراجع نسبته 6%، وهذه المعادلة تعني أن المغرب يبيع كميات أقل من الأسماك لكنه يحقق مداخيل أكبر، وهو مؤشر لا يعكس بالضرورة قوة القطاع بقدر ما يسلط الضوء على اختلالات متزايدة في سوق المنتجات البحرية، وعلى تحولات بيئية واقتصادية تفرض مراجعة عميقة لسياسات تدبير الثروة السمكية.

ولا يمكن فصل هذه الأرقام عن الارتفاع المتواصل في أسعار الأسماك داخل الأسواق الوطنية، حيث أصبحت أنواع كانت تُعد غذاءً يومياً للأسر المغربية خارج متناول شريحة واسعة من المستهلكين، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ارتفاع القيمة… هل هو نجاح اقتصادي أم انعكاس لغلاء الأسعار؟

قد يبدو نمو القيمة المالية للقطاع مؤشراً إيجابياً، لكنه يخفي واقعاً أكثر تعقيداً.. فارتفاع رقم المعاملات لا يعكس بالضرورة تحسن الإنتاجية أو زيادة المردودية، بل قد يكون نتيجة مباشرة لارتفاع الأسعار الناتج عن تقلص العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وتفيد معطيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) بأن الضغوط على الموارد البحرية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتبريد، ساهمت خلال السنوات الأخيرة في زيادة أسعار المنتجات البحرية عالمياً، كما أدى اضطراب سلاسل الإمداد والتضخم إلى رفع أثمنة الأسماك في العديد من الأسواق، بما فيها السوق المغربية.

وبذلك، فإن تسجيل زيادة في القيمة بنسبة 2% مقابل انخفاض الكميات بنسبة 6%، يكشف أن النمو المحقق هو “نمو سعري” أكثر منه “نمواً إنتاجياً”، وهو نموذج يصعب الرهان عليه على المدى الطويل.

الثروة السمكية بين تحديات المناخ وأسئلة الحكامة

لا يمثل تراجع حجم المصطادات مجرد مؤشر إحصائي، بل يعكس ضغوطاً متزايدة على المخزون السمكي الوطني، بفعل التغيرات المناخية وارتفاع حرارة المياه، إلى جانب الاستغلال المكثف لبعض الأصناف البحرية.. و تحدر الاشارة ان المفرب يملك أكثر من 3500 كيلومتر من السواحل على واجهتين بحريتين، ويعد من أبرز منتجي ومصدري المنتجات البحرية في إفريقيا، فيما يساهم قطاع الصيد البحري بنحو 2 إلى 3% من الناتج الداخلي الخام، ويوفر مئات آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن كونه مصدراً مهماً للعملة الصعبة.

غير أن استمرار تراجع الكميات، رغم مرور سنوات على إطلاق استراتيجية “أليوتيس”، يطرح أسئلة مشروعة حول مدى نجاعة سياسات تدبير المصايد، ومدى كفاية آليات المراقبة وحماية المخزون السمكي في مواجهة الضغوط البيئية والاقتصادية المتزايدة.. فالتحدي اليوم لم يعد تحقيق أرقام مالية أعلى، بل ضمان استدامة الموارد البحرية التي يقوم عليها مستقبل القطاع.

بين التصدير وموائد المغاربة… من يستفيد من ثروة البحر؟

تثير هذه المؤشرات أيضاً إشكالاً اجتماعياً واقتصادياً لا يقل أهمية، يتعلق بمدى استفادة المواطن المغربي من الثروة البحرية الوطنية.. فبينما ترتفع القيمة التجارية للأسماك، يتراجع حضورها على موائد كثير من الأسر بسبب الغلاء، في مفارقة تعكس اتساع الفجوة بين الأداء التجاري للقطاع والواقع المعيشي للمستهلك.

وفي المقابل، يجد الصيادون التقليديون أنفسهم بين ارتفاع تكاليف الوقود والصيانة والتجهيزات، وبين انخفاض الكميات المصطادة، بينما تستحوذ حلقات الوساطة والتوزيع على جزء مهم من القيمة المضافة، وهو ما يعيد إلى الواجهة الحاجة إلى إصلاح مسالك التسويق وتعزيز العدالة داخل سلسلة الإنتاج.

وفي المحصلة، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تحقيق خمسة مليارات درهم من البحر، بل في بناء نموذج يوازن بين تنمية الصادرات، وحماية الثروة السمكية، وضمان حق المغاربة في الاستفادة من مواردهم البحرية بأسعار معقولة، فالأرقام المالية قد تبدو مطمئنة، لكنها تخفي تحديات بيئية واقتصادية واجتماعية تستوجب قرارات أكثر جرأة لضمان استدامة أحد أهم القطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى