
موسم واعد يخفي أزمة أعمق من خسارة 30% من المحصول
تحرير: جيهان مشكور
بينما يستعد قطاع الأفوكادو بالمغرب لدخول موسم جديد وسط توقعات بإنتاج مرتفع، جاءت موجة الحر الاستثنائية التي ضربت المملكة أواخر شهر ماي لتبدد جزءاً من التفاؤل، بعدما تسببت في فقدان نحو 30% من الثمار التي تجاوزت مرحلة الإزهار، وفق ما أكده عبد الله اليملاحي، رئيس الجمعية المغربية للأفوكادو.
ورغم أن الفاعلين في القطاع ما زالوا يراهنون على شهر غشت لإنقاذ الموسم وتحقيق نتائج إيجابية، فإن ما حدث يسلط الضوء على أزمة أعمق من مجرد خسارة محصول، ويعيد فتح ملف الاختيارات الفلاحية في بلد يعيش تحت ضغط مائي غير مسبوق..
الجيل الأخضر… بين الطموحات و واقع الجفاف
قدمت استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” نفسها باعتبارها خارطة طريق لتحديث الفلاحة ورفع الصادرات والقيمة المضافة، غير أن التطبيق الميداني يثير اليوم أسئلة صعبة.. فقد شجعت الاستثمارات في الزراعات ذات العائد المالي المرتفع، وفي مقدمتها الأفوكادو والفواكه الحمراء، دون أن يقابل ذلك نقاش عمومي بالقدر نفسه حول كلفتها المائية في بلد دخل مرحلة الإجهاد المائي الحاد.
وفي هذا السياق تفيد معطيات وزارة التجهيز والماء بأن المغرب يعيش للسنة السابعة توالياً تحت تأثير الجفاف، بينما تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية إلى أقل من 600 متر مكعب سنوياً، بعدما كان يتجاوز 2500 متر مكعب في ستينيات القرن الماضي. إنها أرقام لا تعكس أزمة موسمية، بل تحولاً هيكلياً يفرض مراجعة الأولويات، لا الاكتفاء بالاحتفاء بأرقام التصدير.
قيود على الفلاح الصغير… وتساهل مع الزراعات الشرهة للمياه
وفي الوقت الذي تشدد فيه السلطات شروط حفر الآبار واستغلال المياه الجوفية في عدد من الأحواض، ويجد آلاف الفلاحين الصغار أنفسهم عاجزين عن سقي الحبوب والقطاني والخضر وهي محاصيل تشكل أساس الأمن الغذائي للمغاربة، تتواصل الاستثمارات في محاصيل موجهة أساساً إلى الأسواق الخارجية وتحتاج إلى كميات كبيرة من المياه. هذه المفارقة تفتح نقاشاً مشروعاً حول أولويات السياسة الفلاحية: هل أصبح توفير العملة الصعبة يتقدم على حماية الأمن المائي والغذائي؟
عملة صعبة… لكن بأي ثمن؟
خلال السنوات الأخيرة، تحول المغرب إلى أحد أبرز منتجي الأفوكادو في حوض المتوسط، مع توسع المساحات المغروسة إلى نحو 10 آلاف هكتار، وارتفاع الصادرات إلى أكثر من 60 ألف طن في بعض المواسم، تتجه أساساً نحو إسبانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا والمملكة المتحدة.. ولا شك أن هذا النشاط يوفر مداخيل مهمة من العملة الصعبة وفرصاً للشغل، لكن السؤال الذي تتجنبه السياسات العمومية هو: هل يمكن اعتبار هذا نجاحاً إذا كان يقوم على استنزاف مورد استراتيجي يزداد ندرة عاماً بعد آخر؟.. فالاقتصاد الرشيد لا يقيس النجاح بقيمة الصادرات وحدها، بل يحسب أيضاً كلفة الموارد التي تُستهلك لإنتاجها.
التغير المناخي يفضح فشل التخطيط
ما وقع هذا الموسم ليس مجرد حادث مناخي عابر، بل إنذار جديد بفشل السياسات العمومية في التكيف مع التحولات المناخية، فالبنك الدولي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) يصنفان المغرب ضمن أكثر بلدان حوض المتوسط تعرضاً لندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، مع توقع تراجع الموارد المائية للفرد إلى مستويات حرجة خلال العقود المقبلة.
بين الربح الاقتصادي… والخسارة البيئية
قد تحقق صادرات الأفوكادو ملايين الدراهم من العملة الصعبة، لكن الربح الاقتصادي يصبح محدود القيمة عندما يقابله استنزاف مورد مائي استراتيجي وارتفاع كلفة العيش واتساع الفوارق بين كبار المستثمرين وصغار الفلاحين.. فالتنمية لا تقاس بقيمة الصادرات فقط، بل بقدرة الدولة على حماية مواردها وضمان حق المواطنين في الماء والغذاء.
إن خسارة 30% من المحصول بسبب موجة حر واحدة ليست سوى عرض لمرض أعمق، عنوانه غياب رؤية فلاحية متوازنة تضع الأمن المائي فوق منطق الأرباح السريعة، فقبل التسابق نحو تصدير “الذهب الأخضر”، يبدو أن المغرب مطالب أولاً بحماية ثروته الزرقاء، لأنها وحدها الضامن الحقيقي لاستمرار الزراعة والحياة.





