
كشف التقرير السنوي لبنك المغرب برسم سنة 2025 عن مفارقة لافتة في مسار الاقتصاد الوطني، تتمثل في تحقيق معدلات نمو قوية مدفوعة أساسا بالاستثمار العمومي، مقابل استمرار ضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل كافية وتحسين الأوضاع المعيشية لشرائح واسعة من المواطنين.
ويبرز التقرير، الذي يتجاوز 350 صفحة، أن المؤشرات الاقتصادية الكلية تعكس أداء إيجابيا، غير أن انعكاساتها على الحياة اليومية للمغاربة ما تزال محدودة، بسبب بطء إحداث مناصب الشغل واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية في توزيع ثمار النمو.
الاستثمار العمومي يقود النمو
سجل الاقتصاد المغربي خلال سنة 2025 نموا بلغ 4.9 في المائة، مقابل 4.4 في المائة سنة 2024، مستفيدا من تحسن أداء مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويعزى هذا التطور إلى انتعاش القطاع الفلاحي الذي حقق نموا بنسبة 8.2 في المائة، إضافة إلى نمو الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 3.9 في المائة، خاصة قطاعات البناء والسياحة والخدمات.
غير أن المحرك الأساسي لهذا الأداء ظل الاستثمار العمومي، بعدما ارتفع حجمه بنسبة 16.3 في المائة، مساهما وحده بخمس نقاط مئوية في النمو الاقتصادي الإجمالي.
ويشير التقرير، الذي رفعه والي بنك المغرب محمد الجوهري إلى الملك محمد السادس، إلى أن هذه الاستثمارات وُجهت إلى مشاريع البنيات التحتية المرتبطة بالتكيف مع التغيرات المناخية، والاستعداد للتظاهرات الدولية، وتوسيع الخدمات الصحية، وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، فضلا عن مواصلة تنفيذ برنامج الدعم المباشر للسكن.
استهلاك الأسر… تعافٍ محدود
رغم تراجع معدل التضخم إلى 0.8 في المائة وتحسن بعض مستويات الدخل، ظل استهلاك الأسر يسجل نموا متواضعا لم يتجاوز 1.2 في المائة من حيث الحجم.
ويعكس هذا المعطى، وفق التقرير، استمرار اعتماد النشاط الاقتصادي بالأساس على الإنفاق العمومي، في وقت لم تستعد فيه القدرة الشرائية للأسر دورها التقليدي كمحرك رئيسي للنمو.
سوق الشغل يواصل إرسال إشارات مقلقة
ورغم إحداث 193 ألف منصب شغل خلال سنة 2025، فإن هذه الحصيلة لم تكن كافية لاستيعاب التدفق الجديد على سوق العمل، بعدما بلغ عدد الوافدين الجدد إلى سن النشاط 407 آلاف شخص، بينما لم ينجح الاقتصاد سوى في استيعاب 177 ألفا منهم.
وأدى هذا الوضع إلى استقرار معدل البطالة عند 13 في المائة، مع وجود نحو 1.6 مليون عاطل عن العمل.
كما كشف التقرير عن استمرار تراجع مؤشرات النشاط والتشغيل، إذ لم يعد يشتغل سوى أقل من أربعة أشخاص من كل عشرة في سن العمل، بعدما انخفض معدل التشغيل إلى 37.8 في المائة، مقابل تراجع معدل النشاط إلى 43.5 في المائة.
الشباب… الحلقة الأضعف
تظل فئة الشباب الأكثر تضررا من اختلالات سوق الشغل، بعدما ارتفع معدل البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة.
وتزداد الأزمة حدة داخل الوسط الحضري، حيث بلغت البطالة في صفوف الشباب حوالي 48 في المائة، مقابل 22.7 في المائة في العالم القروي.
ولا تتوقف المؤشرات السلبية عند البطالة فقط، إذ يقدر عدد الشباب الذين يوجدون خارج التعليم والتكوين والعمل في الوقت نفسه بنحو ثلاثة ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، فيما تصل هذه النسبة إلى 23.2 في المائة لدى الفئة بين 15 و24 سنة.
خبير: التقرير يعكس الواقع ولا يجامل الحكومة
وفي تعليقه على مضامين التقرير، اعتبر الخبير المغربي عز الدين بونيت أن بنك المغرب، شأنه شأن المندوبية السامية للتخطيط، يتمتع باستقلالية عن السلطة التنفيذية، ولا يخضع لتوجيهات الحكومة في إعداد تقاريره.
وأوضح، في تدوينة نشرها على “فيسبوك”، أن المؤسستين سبق أن أصدرتا معطيات وتقديرات أثارت انزعاج الحكومات المتعاقبة، شأنهما شأن عدد من مؤسسات الحكامة، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومؤسسة الوسيط.
وأضاف أن التقرير يمثل أداة تشخيص موضوعية لحالة الاقتصاد الوطني، تشبه “جهاز الفحص بالأشعة”، مهمتها كشف الاختلالات كما هي، لا تبريرها أو إخفاؤها، لأن وظيفة المؤسسات المستقلة هي تقديم صورة دقيقة عن الواقع حتى تستند إليها السياسات العمومية.
فجوة اجتماعية رغم تحسن المؤشرات
ورصد التقرير استمرار التفاوت في مستويات الإنفاق بين فئات المجتمع، إذ يفوق متوسط إنفاق الخمس الأكثر يسرا أكثر من سبعة أضعاف إنفاق الخمس الأقل دخلا.
كما يظل متوسط الإنفاق في الوسط الحضري يقارب ضعف نظيره في المناطق القروية، ما يعكس استمرار الفوارق المجالية والاجتماعية.
وأكد بنك المغرب أن هذه المعطيات لا تنفي تحقق تقدم اقتصادي، لكنها تؤكد الحاجة إلى توزيع أكثر عدالة لعوائد النمو، من خلال توجيه الدعم العمومي بشكل أكثر دقة نحو الفئات الهشة.
دعوة لتوزيع أكثر عدالة لثمار النمو
تكشف معطيات بنك المغرب أن الاقتصاد المغربي دخل مرحلة يحقق فيها معدلات نمو أفضل بفضل الاستثمارات العمومية الكبرى، إلا أن هذا النمو ما يزال يفتقر إلى القدرة على خلق فرص شغل كافية وتحسين مستوى عيش المواطنين، ما يبرز الحاجة إلى نموذج تنموي يجعل التشغيل والدخل في صلب أولوياته، بدل الاكتفاء بتحسن المؤشرات الماكرو-اقتصادية.





