ميزانية 2027 على إيقاع الانتخابات: “تنمية” أم ورقة انتخابية؟
12/08/2026
0
يدخل المغرب، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، مرحلة سياسية ومؤسساتية دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع رهانات اقتصادية واجتماعية يفترض أن تتجاوز منطق الولاية الحكومية إلى منطق الدولة واستمرارية السياسات العمومية.
عزيز أخنوش رئيس التجمع الوطني للأحرار
السؤال الذي يفرض نفسه سياسيا قبل أن يكون ماليا أو تقنيا
وفي خضم هذا السياق، وجه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، منشوره التوجيهي إلى مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، حاملاً جملة من الأولويات التي ترسم، في ظاهرها، صورة واسعة لمرحلة جديدة من التنمية والإصلاح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه سياسيا، قبل أن يكون ماليا أو تقنيا، هو: هل يتعلق الأمر فعلا بخارطة طريق لإرساء نموذج تنموي أكثر عدالة واستدامة، أم أن مشروع ميزانية 2027 يأتي أيضا كجزء من هندسة خطاب انتخابي يسعى إلى تقديم حصيلة الحكومة في صورة ورش مفتوح لا ينبغي أن يتوقف بتغير الأغلبية؟
التوجيهات الحكومية تتحدث عن “توطيد المكتسبات الاقتصادية”
فالتوجيهات الحكومية تتحدث عن “توطيد المكتسبات الاقتصادية”، وتعزيز موقع المغرب ضمن الدول الصاعدة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومواصلة بناء الدولة الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على التوازنات المالية.
وهي عناوين تبدو منسجمة مع انتظارات المجتمع، غير أن الإشكال لا يكمن في صياغة الأهداف بقدر ما يكمن في قدرة السياسات العمومية على تحويل هذه العناوين إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في سوق الشغل، والدخل، والصحة، والتعليم، والسكن والخدمات العمومية.
أوراش كبرى.. ولكن بأي كلفة وأي أثر؟
تضع الحكومة الاستثمار في البنيات التحتية في صلب توجهاتها، من توسيع شبكة الطرق السيارة وإنجاز الطريق السيار جرسيف–الناظور، إلى تطوير ميناء الناظور غرب المتوسط، وتوسيع شبكة السكك الحديدية والقطار فائق السرعة في اتجاه مراكش، وتأهيل المطارات استعداداً لاستقبال 80 مليون مسافر في أفق 2030.
وتضاف إلى ذلك مشاريع كبرى في الطاقة والهيدروجين الأخضر، وتفعيل “عرض المغرب” في هذا المجال، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، فضلا عن مخطط تطوير الخطوط الملكية المغربية ورفع أسطولها إلى 200 طائرة في أفق 2037.
لا أحد يجادل في أهمية هذه الأوراش بالنسبة إلى تنافسية الاقتصاد المغربي وتموقعه الإقليمي والدولي. لكن المقاربة النقدية تفرض سؤالاً آخر: هل تتحول الاستثمارات العملاقة تلقائيا إلى تنمية اجتماعية؟
مشاريع لا تكفي وحدها لتقليص الفوارق الاجتماعية
فالطريق السيار والميناء والقطار والمطار والطائرة يمكن أن ترفع من جاذبية الاقتصاد، لكنها لا تكفي وحدها لتقليص البطالة أو الحد من الفقر أو تضييق الفوارق المجالية. الخطر يكمن في أن تتحول التنمية إلى سباق في حجم المشاريع والأرقام، بينما تظل معايير العدالة الاجتماعية، وجودة الخدمات، وفرص الشغل، ومردودية الاستثمار العمومي في موقع ثانوي.
الدولة الاجتماعية.. بين التوسع المالي واختبار النتائج
وتحتل الحماية الاجتماعية والدعم المباشر مكانة بارزة في التوجيهات الجديدة، مع مواصلة دعم أكثر من أربعة ملايين أسرة، بما يشمل ملايين الأطفال، بكلفة شهرية تناهز 2.2 مليار درهم.
غير أن توسيع الإنفاق الاجتماعي لا يعني بالضرورة أن الدولة الاجتماعية أصبحت مكتملة الأركان. فالدعم المالي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يعوض ضعف المدرسة العمومية أو الخصاص في الصحة أو هشاشة سوق الشغل.
ومن هنا تبدو معركة 2027 أكبر من مجرد الحفاظ على الاعتمادات المخصصة للدعم؛ إنها معركة الانتقال من دولة تعالج آثار الهشاشة إلى دولة تمنع إنتاجها من الأصل.
والأمر نفسه ينطبق على إصلاح المنظومة الصحية، وتأهيل المستشفيات، وإنشاء المجموعات الصحية الترابية، وإعادة تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية. كما ينطبق على التعليم، حيث تراهن الحكومة على تعميم نموذج “مدارس الريادة” وتحديث التكوين الجامعي وربطه بالتكنولوجيا.
لكن المواطن لن يقيس نجاح هذه الإصلاحات بعدد المؤسسات التي أعيد تأهيلها أو البرامج التي أطلقت، بل بسؤال بسيط ومباشر: هل أصبحت المدرسة أفضل؟ وهل أصبح العلاج متاحاً وذا جودة؟ وهل تحسنت فرص الشباب في العمل؟
الزيادة في الأجور.. استحقاق اجتماعي أم عنوان انتخابي؟
تتضمن التوجيهات كذلك تنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي، من خلال الزيادة في أجور موظفي القطاع العام، ورفع الحد الأدنى للأجور، ومراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب الرفع من الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص.
وهنا تبرز حساسية التوقيت. فهذه الإجراءات تأتي قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية، بما يجعلها قابلة لقراءتين متعارضتين: قراءة تعتبرها استمراراً طبيعياً للالتزامات الاجتماعية للحكومة، وقراءة أخرى تراها جزءاً من إدارة سياسية للزمن الانتخابي عبر تقديم مكاسب اجتماعية قبيل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
والفصل بين القراءتين لن يكون بالخطاب السياسي، وإنما بمدى استدامة هذه الإجراءات وقدرتها على حماية القدرة الشرائية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
التنمية المجالية.. الورش الذي يصطدم بأعمق الاختلالات
أما الحديث عن التنمية المجالية المندمجة وتقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم، فيضع الحكومة أمام واحد من أصعب الاختبارات.
فالمغرب الذي يستعد لاحتضان واستضافة أوراش دولية كبرى ويستثمر مليارات الدراهم في البنيات التحتية، لا يزال يعرف تفاوتات كبيرة في الولوج إلى الصحة والتعليم والنقل وفرص الشغل والخدمات الأساسية.
وتبدو الإشارة إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز ومعالجة آثار الفيضانات وإعادة تأهيل البنيات المتضررة ضرورية، لكنها تفتح أيضاً سؤالاً حول قدرة الدولة على الانتقال من التدخل بعد الكارثة إلى بناء سياسات استباقية للوقاية من المخاطر المناخية والكوارث الطبيعية.
الإصلاح الإداري والعدالة والضرائب.. وعود مؤجلة أم تحول فعلي؟
تتضمن المذكرة كذلك تسريع اللامركزية الإدارية، وتبسيط المساطر، ورقمنة الإدارة، وإصلاح العدالة، وتوسيع استعمال الأمازيغية داخل الإدارات والمؤسسات، فضلاً عن مكافحة التهرب والغش الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي دون زيادة العبء على المواطنين.
وهي ملفات ظلت حاضرة في الخطاب الرسمي منذ سنوات، لكن الإشكال هو أن الفجوة بين الإصلاح المعلن والإصلاح الملموس أصبحت في حد ذاتها إحدى مشكلات الإدارة المغربية.
فالمواطن لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بالرقمنة بقدر حاجته إلى إدارة لا تضطره إلى التنقل بين المكاتب، ولا إلى جمع عشرات الوثائق، ولا إلى الانتظار أشهراً للحصول على خدمة يفترض أن تكون بسيطة.
ميزانية بعد الانتخابات.. أم ميزانية قبل الانتخابات؟
هنا تتضح المفارقة السياسية الأبرز. فمشروع قانون المالية لسنة 2027 يُفترض أن يكون وثيقة مالية للمستقبل، لكنه يُعد في لحظة سياسية مشدودة إلى الحاضر الانتخابي.
الحكومة تقدم التوجهات باعتبارها استمرارا للأوراش الكبرى وضماناً لاستمرارية الدولة الاجتماعية والإصلاحات الهيكلية. وهذا الطرح يستند إلى فكرة مفادها أن المشاريع الكبرى لا ينبغي أن تتوقف مع انتهاء ولاية حكومية.
لكن الديمقراطية تفرض، في المقابل، أن يكون للانتخابات معنى سياسي حقيقي.
فإذا كانت الخيارات الكبرى محددة سلفا إلى درجة تجعل نتائج الاقتراع غير قادرة على تغيير الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، فإن السؤال يصبح مشروعا حول حدود التنافس الانتخابي ومدى اختلاف البرامج الحكومية الممكنة.
فالانتخابات ليست مجرد محطة لتجديد النخب، وإنما يفترض أن تكون مناسبة للاختيار بين مشاريع واتجاهات مختلفة في تدبير الاقتصاد والمجتمع والمال العام.
بين الاستمرارية والمساءلة
من هذه الزاوية، يمكن قراءة منشور أخنوش باعتباره أكثر من مجرد وثيقة تقنية لإعداد الميزانية. إنه يقدم، بصورة غير مباشرة، حصيلة المرحلة الحالية ومفردات الخطاب الذي يمكن أن يخوض به التحالف الحكومي معركته السياسية المقبلة.
لكن نجاح هذه الرواية لن يحسمه حجم الاستثمارات ولا عدد المشاريع المعلنة، وإنما حصيلة ما تحقق على الأرض: هل تراجعت البطالة؟ هل تحسنت القدرة الشرائية؟ هل تقلصت الفوارق بين المركز والهامش؟ هل أصبحت الصحة والتعليم أكثر جودة؟ وهل تحولت الحماية الاجتماعية إلى شبكة أمان فعالة ومستدامة؟
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام مشروع ميزانية 2027 ليس فقط كيف ستنفق الدولة المال العام، بل ماذا ستنتج بهذا الإنفاق، ومن سيستفيد منه، وهل ستتوزع ثماره بشكل عادل؟
ومع اقتراب 23 شتنبر 2026، تبدو ميزانية 2027 واقفة عند تقاطع حساس بين الاقتصاد والسياسة: الحكومة تريد تقديم الاستمرارية باعتبارها ضمانة للاستقرار، والمعارضة مطالبة بتحويل هذه الاستمرارية إلى موضوع للمساءلة، والناخب أمام امتحان يتجاوز الوعود الانتخابية إلى تقييم حصيلة فعلية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: كم مشروعا ستنجز الحكومة؟ بل: أي مغرب سيجد المواطن نفسه يعيش فيه بعد إنجاز كل هذه المشاريع؟