
حماس وكوشنر.. لقاء حاسم في القاهرة
دخلت مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة مرحلة أكثر تعقيدا، مع انتقال النقاش من تثبيت الهدنة إلى تحديد شكل المرحلة الثانية وترتيب الالتزامات بين الأطراف.
وصول رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية إلى القاهرة
وفي هذا السياق، وصل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خليل الحية إلى القاهرة على رأس وفد قيادي، في أول زيارة له إلى مصر منذ انتخابه في هذا المنصب، لبحث مستقبل الاتفاق والخلافات التي باتت تهدد الانتقال إلى المرحلة التالية.
لقاء الحية برئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد يعكس مجدداً مركزية الدور المصري في إدارة واحدة من أكثر حلقات التفاوض حساسية.
فالقاهرة لا تحاول فقط الحفاظ على وقف إطلاق النار، وإنما تسعى إلى تضييق الهوة بين موقفين متعارضين: حركة حماس التي تطالب بتنفيذ بنود الاتفاق بصورة متزامنة، وإسرائيل التي تربط أي انسحاب من قطاع غزة بنزع سلاح الحركة أولاً.
وتحمل زيارة الوفد الحمساوي إلى القاهرة أيضاً رسالة واضحة إلى الوسطاء، مفادها أن الحركة تعتبر نفسها ملتزمة بخارطة الطريق المكونة من 15 بنداً، وتنتظر في المقابل ضمانات تلزم إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات.
كما يعتزم الوفد عرض ما تعتبره الحركة خروقات إسرائيلية للاتفاق، في محاولة لإعادة وضع مسؤولية تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية في الجانب الإسرائيلي.
خارطة الطريق التي وافقت عليها حماس تتحدث عن انسحاب إسرائيلي تدريجي
وتكمن العقدة الأساسية في ترتيب الخطوات. فخارطة الطريق التي وافقت عليها حماس تتحدث عن انسحاب إسرائيلي تدريجي، وترتيبات تتعلق بسلاح الحركة، وانتقال إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية، إلى جانب إطلاق مسار إعادة الإعمار. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرفض هذا الترتيب، ويتمسك بأن نزع سلاح حماس يجب أن يسبق أي انسحاب إسرائيلي كامل أو مؤثر من غزة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية التي تجعل المرحلة الثانية أكثر صعوبة من المرحلة الأولى: حماس تريد انسحاباً إسرائيلياً والتزامات متوازية، بينما تريد إسرائيل ضمان نزع السلاح قبل الانسحاب. وبين الشرطين، يظل الاتفاق معرضاً للتعطيل ما لم يتم التوصل إلى صيغة تضمن لكل طرف الحد الأدنى من مطالبه.
القاهرة مدركة أن وقف إطلاق النار قد يتحول إلى انهايار شامل
وتبدو القاهرة مدركة بأن استمرار هذا الجمود قد يحول وقف إطلاق النار من مرحلة انتقالية إلى هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة. لذلك يأتي التحرك المصري بالتزامن مع الاستعداد لزيارة مرتقبة للمبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى مصر وإسرائيل، بمشاركة نيكولاي ملادينوف ومسؤولين آخرين، في مسعى أمريكي لإعادة تحريك المسار السياسي وتجاوز العقبات التي تعترض تنفيذ المرحلة الثانية.
كما أن الحديث عن لقاء محتمل بين وفد حماس المفاوض ومسؤولين أمريكيين خلال زيارة كوشنر يفتح الباب أمام محاولة اختبار صيغة جديدة للتفاهم، خصوصاً أن واشنطن تبدو مطالبة هذه المرة بالانتقال من دور الضامن السياسي إلى ممارسة ضغط فعلي على الأطراف لتنفيذ التزاماتها.
استعداد حماس لإحداث تغييرات في طريقة إدارة القطاع تظل مرتبطة بضمان الانسحاب الإسرائيلي
وفي المقابل، فإن موافقة حماس على ترتيبات تتعلق بإدارة غزة وحصر السلاح ونقل مسؤوليات الحكم إلى لجنة فلسطينية جديدة، إلى جانب إعلانها حل لجنة الطوارئ الحكومية، تشير إلى استعداد الحركة لإحداث تغييرات في طريقة إدارة القطاع. لكن هذه الخطوات تظل مرتبطة، بالنسبة إليها، بضمان الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية وعدم تحويل نزع السلاح إلى أداة لإبقاء الاحتلال العسكري.
لذلك، فإن معركة المرحلة الثانية ليست مجرد خلاف تقني حول بنود اتفاق، بل صراع حول من يبدأ أولاً ومن يقدم الضمانات لمن. إسرائيل تريد أن ترى نتائج نزع السلاح قبل أن تتخلى عن مواقعها، وحماس تريد أن ترى الانسحاب والضمانات قبل أن تقدم التنازلات النهائية المتعلقة بسلاحها.
ومن هنا تكتسب زيارة خليل الحية إلى القاهرة أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. فهي تأتي في لحظة تحاول فيها مصر منع انهيار المسار التفاوضي، بينما تستعد واشنطن للعودة بثقل أكبر إلى الملف.
وإذا نجحت القاهرة وواشنطن في إنتاج صيغة تتجاوز معادلة «الانسحاب أولاً أم نزع السلاح أولاً»، فقد تبدأ المرحلة الثانية فعلياً.
أما إذا بقي كل طرف متمسكاً بشرطه المسبق، فإن اتفاق وقف إطلاق النار سيظل قائماً على أرض هشة، وقد تتحول المرحلة الثانية إلى أكبر اختبار لمستقبل غزة بعد الحرب.





