
غزة تدخل مهرجانات السينما العالمية
لم تعد مأساة غزة حاضرة في نشرات الأخبار والتقارير الصحفية فحسب، بل وجدت طريقها بقوة إلى شاشات السينما العالمية، حاملة معها صور الحرب والتهجير والجوع والقتل، وشهادات الفلسطينيين الذين عاشوا واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المهرجانات السينمائية الدولية حضورا متزايدا لأعمال تناولت غزة، سواء عبر الأفلام الوثائقية أو الدرامية، في تحول لافت داخل محافل لطالما غلبت عليها الرواية الإسرائيلية بشأن القضية الفلسطينية.
ومع إعلان مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، إدراج الفيلم الوثائقي “نازا” ضمن الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين، المقررة مطلع سبتمبر المقبل، يتجدد حضور غزة في أحد أبرز المهرجانات السينمائية العالمية.
وبحسب إدارة المهرجان، يتناول الفيلم الآليات التي تقف وراء الإبادة المخطط لها في غزة، ليضاف إلى مجموعة من الأعمال التي نقلت المأساة الفلسطينية إلى جمهور عالمي.
“عيون غزة”.. صحافيون في قلب النار
يركز فيلم “عيون غزة” على ثلاثة صحافيين فلسطينيين يواصلون عملهم داخل القطاع في ظروف بالغة الخطورة، موثقين القصف والدمار والمجازر التي تحيط بهم من كل جانب.
ولا يكتفي الفيلم برصد آثار الحرب، بل يسلط الضوء على الصحافيين أنفسهم، الذين تحولوا إلى شهود مباشرين على المأساة، ودفع كثير منهم حياتهم ثمنا لمحاولتهم إيصال الصورة إلى العالم.
وعُرض الفيلم في عدد من المهرجانات الدولية، من بينها مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية “إدفا”، حيث حظي بتفاعل لافت واحتل موقعا ضمن الأعمال العشرة الأولى في تصويت الجمهور.
“من المسافة صفر”.. غزة تروي حكايتها بنفسها
من بين أبرز المشاريع السينمائية التي خرجت من قلب القطاع، يأتي مشروع “من المسافة صفر” للمخرج رشيد المشهراوي، الذي جمع 22 فيلما قصيرا أنجزها سينمائيون فلسطينيون من غزة.
تتنوع القصص بين النزوح والجوع والمجازر وفقدان المنازل وانقطاع المياه والعيش داخل الخيام، لكن القاسم المشترك بينها هو أنها خرجت من تجربة عاشها أصحابها بشكل مباشر.
وكان من المقرر عرض المشروع في مهرجان كان عام 2024، قبل أن يغيب عن البرنامج الرسمي، الأمر الذي دفع المشهراوي إلى تنظيم عرض موازٍ. وبعد ذلك، وجد المشروع طريقه إلى مهرجان تورنتو السينمائي ومهرجانات وفعاليات دولية أخرى.
“تحت السماء نفسها.. غزة 360”.. كاميرا تدور وسط الركام
يقدم فيلم “تحت السماء نفسها.. غزة 360” تجربة بصرية مختلفة في توثيق الحرب، من خلال صحفي فلسطيني يثبت كاميرا بزاوية 360 درجة فوق سقف سيارته، ويتنقل بها بين مناطق مختلفة من القطاع.
تلتقط العدسة مشاهد الدمار على امتداد ساحل غزة، وترافق أشخاصا يبحثون بين الأنقاض عن مقتنياتهم، كما توثق حياة الصحفيين الذين يواصلون عملهم رغم الخطر.
ووصل الفيلم إلى مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية “إدفا”، حيث نال جائزة خاصة، مستفيدا من تقنية التصوير التي تمنح المشاهد مساحة واسعة للتفاعل مع المشهد ومتابعة تفاصيله من زوايا متعددة.
“مع حسن في غزة”.. ذاكرة مدينة قبل أن تبتلعها الحرب
يحمل فيلم “مع حسن في غزة” للمخرج كمال الجعفري قيمة مختلفة، إذ يعود بالمشاهد إلى غزة قبل الدمار الواسع الذي خلفته الحرب.
بدأت قصة الفيلم سنة 2001، عندما شرع الجعفري في البحث عن رجل اعتُقل معه في سجون الاحتلال عام 1989. وخلال هذه الرحلة، التقط مجموعة من الصور ومقاطع الفيديو، قبل أن يعثر عليها لاحقا ويعيد تركيبها في عمل سينمائي.
وشهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان لوكارنو السينمائي عام 2025، قبل أن ينتقل إلى مهرجان تورنتو السينمائي الدولي ومهرجان لندن السينمائي التابع لمعهد الفيلم البريطاني.
وتكمن أهمية العمل في أنه يقدم صورة نادرة لغزة قبل الحرب، ويستعيد ملامح مدينة تبدلت بشكل جذري تحت وطأة الدمار.
“صوت هند رجب”.. مأساة طفلة تهز العالم
من أكثر الأعمال السينمائية تأثيرا في تناول الإبادة، فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة كوثر بن هنية، الذي يستند إلى مأساة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قتلت مع أفراد من عائلتها عام 2024 أثناء محاولتها الوصول إلى مكان آمن.
اعتمدت بن هنية على التسجيل الحقيقي للمكالمة التي أجرتها هند رجب طلبا للنجدة، وجعلت من صوت الطفلة المحور الذي تدور حوله الأحداث الدرامية.
وعُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي ضمن المسابقة الرسمية، حيث نال الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، وسط تفاعل جماهيري واسع وتصفيق استمر لأكثر من عشرين دقيقة.
“بلياتشو غزة”.. الضحك في وجه الموت
في زاوية مختلفة، يروي فيلم “بلياتشو غزة” للمخرج عبد الرحمن صباح قصة الفنان الفلسطيني علاء مقداد، المعروف في القطاع باسم “علوش”، وهو فنان قصير القامة اعتاد تقديم عروض المهرج للأطفال قبل اندلاع الحرب.
لكن القصف دفعه إلى النزوح مع أسرته، من مخيم إلى آخر ومن مستشفى إلى شارع، دون أن يتخلى عن زيه وألوانه وشخصيته الكوميدية.
وبينما كانت القنابل تحاصر الأطفال، كان مقداد يحاول منحهم دقائق قليلة من الضحك، مستخدما عروضه للتخفيف من وطأة الخوف والموت المحيط بهم.
وعُرض الفيلم في مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية، ومهرجان الفيلم العربي في برلين، ومهرجان قرطاج، حيث قُدم باعتباره احتفاء بالإنسانية وبقدرة الفلسطينيين على الصمود وسط واحدة من أحلك مراحل تاريخهم.
السينما.. ذاكرة غزة إلى العالم
من خلال هذه الأعمال وغيرها، تحولت السينما إلى مساحة أخرى لسرد قصة غزة، بعيدا عن لغة الأرقام والبيانات، وبالاعتماد على شهادات وصور وتجارب إنسانية عاشها الفلسطينيون بأنفسهم.
وبوصول هذه الأفلام إلى أهم المهرجانات العالمية، لم تعد غزة مجرد خبر عابر على الشاشات، بل أصبحت حاضرة في قاعات السينما باعتبارها قصة إنسانية وسياسية مفتوحة على ذاكرة العالم.





