الرئسيةحول العالمميديا وإعلام

تركيا وإسرائيل.. من الخصومة إلى المواجهة؟

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل بات يعكس صراعا أوسع بين قوتين عسكريتين بارزتين في شرق المتوسط، تتداخل فيه ملفات غزة وسوريا والتوازنات العسكرية والنفوذ الإقليمي.

العلاقات بين أنقرة وتل أبيب تواصلت في الانحدار منذ نحو ثلاث سنوات

وتؤكد الصحيفة أن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب تواصلت في الانحدار منذ نحو ثلاث سنوات، وسط تراكم مستمر للاحتكاكات والتهديدات والتصريحات المتبادلة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي أحدث فصول هذا التصعيد، هاجم نتنياهو، الجمعة 21 أغسطس، أردوغان، واصفا إياه بأنه “ديكتاتور معاد للسامية”، في تصريحات جاءت بعد ساعات من تحرك قضائي تركي استهدف رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وقال نتنياهو إن أردوغان “قتل الأكراد، ويؤوي إرهابيي حماس، ويحتل نصف قبرص، ويسجن عددا قياسيا من الصحافيين والسياسيين المعارضين”، مضيفا أن تركيا تسعى، بحسب تعبيره، إلى توسيع ما وصفه بـ”عدوانها” على إسرائيل عبر الساحة السورية.

وجاء الهجوم الإسرائيلي عقب إعلان وزير العدل التركي أكين غورليك إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو في إطار تحقيق يتعلق باعتراض “أسطول الحرية إلى غزة” خلال شهر مايو، وما رافق ذلك من اتهامات بممارسة أعمال عنف خطيرة بحق ناشطين.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتحرك فيها القضاء التركي ضد نتنياهو، إذ سبق للسلطات القضائية في نهاية عام 2025 أن أصدرت مذكرة توقيف بحقه على خلفية اتهامات مرتبطة بـ”الإبادة الجماعية” و”الجرائم ضد الإنسانية” في قطاع غزة.

سوريا.. قلب التنافس بين أنقرة وتل أبيب

وترى “لوموند” أن الساحة السورية أصبحت إحدى أخطر نقاط الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل، بل ربما المجال الأكثر قابلية لتحول التنافس السياسي إلى مواجهة أمنية مباشرة.

فبعد سقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، سارعت إسرائيل إلى استهداف جانب كبير من القدرات العسكرية السورية، بالتوازي مع فرض منطقة أمنية بمحاذاة الحدود، على نحو يشبه الترتيبات التي اعتمدتها في غزة وجنوب لبنان.

في المقابل، تمتلك تركيا حضورا عسكريا ونفوذا واسعا في شمال سوريا منذ سنوات، وتسعى إلى تثبيت موقعها في مرحلة إعادة رسم التوازنات السورية.

وتشير الصحيفة الفرنسية إلى أن إسرائيل تنظر بقلق إلى أي توسع عسكري تركي داخل سوريا، خاصة بعد رصد ما وصفته مصادر إسرائيلية بمشروع لنشر قوات تركية في مطار أبو الظهور، جنوب مناطق الوجود الإسرائيلي.

وفي 18 غشت، شنت الطائرات الإسرائيلية غارات على الموقع، في خطوة عكست مستوى الحساسية الذي بات يحيط بالتمدد التركي في سوريا.

وبرر نتنياهو العملية بالحديث عن تفاهم أمني قائم بين إسرائيل وسوريا، متهما دمشق بالاقتراب من خرقه عبر السماح بوجود عسكري تركي في قاعدة جوية قريبة من حلب، ومؤكدا أن إسرائيل سبق أن حذرت من اعتبار هذا الانتشار تهديدا مباشرا لأمنها.

لكن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، الذي يشغل أيضا منصب سفير واشنطن لدى أنقرة، اعتبر الضربة “تصعيدا غير ضروري”، في إشارة إلى خشية أمريكية من انزلاق الساحة السورية إلى مستوى جديد من التوتر.

غزة وحماس.. خلاف يتجاوز السياسة

ولا تقل جبهة غزة أهمية في الصراع بين البلدين، إذ جعلت تركيا من الدفاع عن الفلسطينيين أحد أبرز عناوين سياستها الخارجية، وانضمت إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في القطاع.

أما إسرائيل، فتنظر إلى أي دور تركي في مستقبل غزة بكثير من الريبة، بسبب العلاقة التي تربط أنقرة بحركة حماس ووجود جزء من قياداتها وهياكلها داخل الأراضي التركية.

وتقول “لوموند” إن تل أبيب تعتبر هذا القرب نوعا من التواطؤ، وترفض بالتالي منح تركيا موقعا مؤثرا في أي ترتيبات سياسية أو أمنية تخص القطاع.

ومع ذلك، وجدت حكومة نتنياهو نفسها مضطرة إلى التعامل مع الدور التركي خلال مفاوضات وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، حين ساهمت أنقرة في تسهيل المراحل الأخيرة من المفاوضات مع حماس.

وهو ما يعكس إحدى مفارقات العلاقة بين الطرفين: إسرائيل ترفض النفوذ التركي، لكنها تجد نفسها في بعض الملفات مضطرة إلى الاعتراف بقدرة أنقرة على التأثير.

الانتخابات الإسرائيلية تضيف وقودا إلى الأزمة

وترى الصحيفة أن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل تمثل بدورها عاملا يزيد من حدة الخطاب ضد تركيا.

فنتنياهو يواجه وضعا انتخابيا صعبا، في ظل نتائج استطلاعات لا تبدو مريحة له، الأمر الذي يدفع مراقبين إلى الاعتقاد بأن تصاعد التوترات الأمنية والإقليمية قد يمنحه هامشا سياسيا إضافيا.

ويستند المقربون منه إلى تصريحات أردوغان السابقة حول إسرائيل، معتبرين أن ما جرى في السابع من أكتوبر عزز، في نظرهم، ضرورة التعامل بجدية مع تهديدات الخصوم.

وفي هذا السياق أيضا، يعمل نتنياهو على عرقلة حصول تركيا على مقاتلات أمريكية من طراز F-35، معتبرا أن الصفقة قد تؤدي إلى تغيير التوازن العسكري في الشرق الأوسط بصورة لا تخدم المصالح الإسرائيلية.

العداء لأنقرة يتجاوز نتنياهو

وتلفت “لوموند” إلى أن التشدد تجاه تركيا لا يقتصر على حكومة نتنياهو أو معسكره السياسي.

فقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت تركيا بأنها “إيران الجديدة”، بينما أيد زعيم المعارضة يائير لبيد الضربات على مطار أبو الظهور، مع دعوته في المقابل إلى إيجاد آلية دبلوماسية لإدارة الخلاف ومنع تحوله إلى مواجهة غير محسوبة.

وقال لبيد إن إسرائيل يجب أن توضح أنها لن تقبل بما وصفه باللعب التركي في “ساحتها الخلفية”، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة منع تراكم الأزمات الإقليمية.

ويكشف هذا الموقف، بحسب الصحيفة، أن الخلاف مع أنقرة بدأ يتحول إلى رؤية أوسع داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، لا ترتبط فقط بشخص نتنياهو أو بطبيعة الائتلاف الحاكم.

المؤسسة العسكرية تستعد لسيناريوهات أكثر خطورة

ويبدو أن القلق من تركيا وصل أيضا إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

فقد تحدث رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال زيارة للقوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، عن متابعة دقيقة لما يجري على الجبهة السورية، مؤكدا ضرورة الاستعداد وعدم السماح بتمركز قوات تعتبرها إسرائيل معادية قرب حدودها.

وسبق للجنة بحثية ترأسها الجنرال يعقوب ناغل أن حذرت، مطلع عام 2025، من تنامي الطموحات التركية واتساع نفوذ أنقرة في الشرق الأوسط، بل أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن اللجنة ناقشت احتمال الوصول إلى مواجهة مباشرة بين القوتين.

كما يرى عدد من الخبراء أن تركيا باتت تشكل تحديا استراتيجيا مختلفا بالنسبة إلى إسرائيل، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وقوة جيشها، واتساع حضورها الإقليمي، وثقلها السياسي والدبلوماسي.

وفي هذا الإطار، كتب الباحث إيلي كارمون أن قرب تركيا من إسرائيل وحجم قدراتها العسكرية ونفوذها المتزايد في المنطقة عوامل تجعل من أنقرة ملفا أمنيا يستدعي اهتماما إسرائيليا متواصلا.

وتخلص “لوموند” إلى أن الصراع التركي الإسرائيلي لم يعد محصورا في الموقف من غزة أو العلاقة مع حركة حماس، بل اتسع ليشمل صراعا على النفوذ في سوريا، وترتيبات الأمن الإقليمي، وموازين القوة العسكرية، ومستقبل الدور الذي تريد كل من أنقرة وتل أبيب أن تلعبه في الشرق الأوسط.

فالخصومة الشخصية الحادة بين أردوغان ونتنياهو تضيف بعدا أكثر اشتعالا إلى الأزمة، لكنها لا تفسر وحدها مسار التدهور. وراء التصريحات والشتائم المتبادلة تقف حسابات أمنية ومصالح جيوسياسية أعمق، تجعل مسار التصادم بين القوتين أكثر وضوحا، وتفتح الباب أمام مرحلة قد لا تبقى فيها الحرب مقتصرة على الكلمات والرسائل السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى