
عاد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران إلى واجهة النقاش السياسي، على خلفية تصريحاته السابقة بشأن الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، والتي كان قد طالب خلالها بفتح تحقيق للوقوف على حقيقة ما جرى.
وفي لقاء تواصلي حزبي بمدينة بنسليمان، الجمعة، سعى بنكيران إلى توضيح خلفيات موقفه، رافضاً تأويل دعوته باعتبارها مطالبة للملك محمد السادس بتقديم توضيحات شخصية، ومؤكداً في المقابل أن احترام المؤسسة الملكية لا يتعارض، في نظره، مع طرح الأسئلة والمطالبة بكشف الحقيقة.
وأوضح بنكيران أن الملك يمثل “رمزاً للمغاربة”، غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين الاحترام الدستوري للمؤسسة الملكية وبين مفهوم “القداسة”، معتبراً أن الملك، وفق ما نقله عن أجواء إعداد دستور 2011، هو “ملك مواطن” يمارس مهامه في إطار المكانة التي يحددها الدستور.
واستعاد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية تفاصيل من مشاركته في لجنة صياغة دستور 2011، قائلاً إنه أثار آنذاك مسألة التنصيص على “قداسة” شخص الملك، وأبلغ المستشار الملكي الراحل محمد المعتصم بأن استخدام هذا المفهوم يطرح إشكالاً، معتبراً أن مفهوم القداسة “جاء من عند الفرنسيين”.
وبحسب رواية بنكيران، فقد نقل المعتصم هذا الموقف إلى الملك، قبل أن يعود إلى أعضاء اللجنة بجواب مفاده أن “القداسة لله والعصمة للأنبياء، وأنا ملك مواطن”.
وأشار بنكيران إلى أن حذف لفظ “القداسة” من الدستور رافقه، بمطالبته، التأكيد على احترام الملك وتوقيره، مبرزاً أن هذا الاحترام لا يعني قطع قنوات التواصل معه أو التعامل معه باعتباره شخصية لا يمكن توجيه أي طلب إليها.
وقال إن احترام الملك يفرض عدم توجيه عبارات مسيئة إليه أو نشر صور تنتقص من مكانته، لكنه في الوقت نفسه رفض اعتبار ذلك مانعاً أمام مخاطبته بشأن قضايا تهم المواطنين.
بنكيران: لم أطلب من الملك تفسير ما جرى في سبتة
وفي معرض عودته إلى الجدل الذي رافق مطالبته بفتح تحقيق في أحداث سبتة، نفى بنكيران أن يكون قد قصد مطالبة الملك بتقديم تفسير شخصي لما وقع، مؤكداً أن مطلبه كان يتمثل في تشكيل لجنة للتحقيق وكشف ملابسات الأحداث.
ووصف ما جرى في سبتة بأنه “يوم أسود” كان يستوجب الحزن والحداد، قائلاً: “أنا طلبت من الملك ولم أستفسره”، ومضيفاً أنه لم يكن يملك “الجرأة” ولا الرغبة في مطالبة الملك بتفسير شخصي، وإنما أراد أن يتم فتح تحقيق رسمي لمعرفة حقيقة ما وقع.
وأكد بنكيران أنه لم يتلق جواباً بشأن هذا الطلب، لكنه شدد على أنه سيحترم القرار كيفما كان، باعتبار أن عدم التجاوب مع بعض المطالب أمر وارد في العمل السياسي.
وقال في هذا السياق إن مكانة الملك بالنسبة إليه لا ترتبط بمدى الاستجابة لطلبه، مضيفاً: “جلالة الملك على راسنا جاوبنا أم لم يجبنا”.
انتقاد للمحيط الملكي
وفي مقابل تأكيده احترام الملك، وجه بنكيران انتقادات إلى من وصفهم بالمقربين من المؤسسة الملكية ومستشاريها، رافضاً أن يتحول القرب من الملك إلى مصدر امتياز سياسي أو معنوي يضع صاحبه فوق باقي المواطنين.
وقال إن المستشار أو الشخص المقرب من الملك “راه واحد منا”، مضيفاً أن التعامل مع هؤلاء باعتبارهم خارج دائرة المساءلة أو النقاش من شأنه أن يربك العلاقة الطبيعية بين السياسيين والمؤسسات.
وأضاف أن احترام المؤسسة الملكية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لترهيب الفاعلين السياسيين أو منعهم من التعبير عن مواقفهم، مؤكداً أن القرب من الملك لا يمنح أي شخص وضعاً استثنائياً في المجتمع.
وختم بنكيران مداخلته بالتشديد على أن المغاربة “يحترمون الملك ويوقرونه”، لكن ذلك لا يشمل، بحسب تعبيره، منح حصانة رمزية لكل من يوجد في محيط المؤسسة الملكية.
وقال في لهجة تصعيدية: “إذا قالوا نقول، وإذا حاربونا حربناهم، وإذا نزلوا إلى الساحة ننزل إليها”، مبرراً موقفه بالرغبة في أن يسود “العدل” في البلاد.
وبذلك، أعاد بنكيران طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش السياسي المغربي، واضعاً في صلبها العلاقة بين احترام المؤسسة الملكية وحق الفاعلين السياسيين في طرح الأسئلة والمطالبة بالتحقيق، مع محاولة الفصل بين شخص الملك وبين محيطه السياسي والمؤسساتي.





