الرئسيةسياسة

الاتحاد يضع تضارب المصالح في الواجهة

قدم إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي للحزب برسم استحقاقات 2026، واضعا شعار «التنمية العادلة» عنوانا مركزيا لرؤية اتحادية تراهن على إعادة ترتيب أولويات السياسة العمومية، وربط التنمية بالعدالة الاجتماعية والحكامة والحقوق والحريات، مع تشديد خاص على محاصرة تضارب المصالح وتعزيز الشفافية في تدبير المال والقرار العموميين.

من محاسبة الأشخاص إلى تغيير قواعد اللعبة

وخلال ندوة خُصصت لتقديم البرنامج، أكد لشكر أن الاتحاد الاشتراكي لا يطرح معركة انتخابية تختزل في محاسبة الأشخاص، وإنما يسعى إلى تغيير القواعد التي تحكم ممارسة المسؤولية العمومية.

وأوضح أن معالجة تداخل النفوذ المالي والمصالح الاقتصادية مع القرار العمومي تقتضي وضع ضوابط أكثر صرامة ووضوحاً، بما يمنع تحويل المسؤولية السياسية إلى مدخل لتحقيق مصالح خاصة.

وفي هذا السياق، أعلن لشكر أن كل مرشح باسم الاتحاد الاشتراكي سيوقّع التزاماً بعدم الجمع بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بها، مؤكداً أن الحزب لن ينتظر صدور قانون يلزمه بهذا الإجراء، بل سيعتمده كقاعدة داخلية على مرشحيه.

«التنمية العادلة».. حين لا تصل ثمار النمو إلى الجميع

واختار الاتحاد الاشتراكي شعار «التنمية العادلة» لتأطير برنامجه الانتخابي، في قراءة تنطلق من الاعتراف بما حققه المغرب من أوراش ومشاريع، لكنها تتوقف عند استمرار التفاوت في توزيع ثمار التنمية والاستفادة منها.

وبحسب لشكر، فإن التنمية لا تكتسب معناها الحقيقي من حجم المشاريع أو المؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما من قدرتها على تحسين حياة المواطنين. ولذلك يضع الحزب التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية ضمن دائرة الحقوق التي ينبغي أن تكون قابلة للمطالبة والولوج الفعلي، لا مجرد وعود مؤجلة.

كما يربط التصور الاتحادي بين النمو الاقتصادي وتحسين مداخيل المواطنين، داعياً إلى قياس فعالية السياسات العمومية بما ينعكس على القدرة الشرائية ومستوى عيش الأسر، وليس فقط بما تعرضه المؤشرات والنشرات الرسمية.

الجغرافيا لا ينبغي أن تحدد مصير المواطن

ويمتد مفهوم «التنمية العادلة»، وفق البرنامج المعروض، إلى المجال الترابي، من خلال تقليص الفوارق بين المناطق وضمان تكافؤ الفرص في التعليم والعلاج والتشغيل.

وفي هذا الإطار، شدد لشكر على أن مكان ولادة المواطن أو عنوانه لا ينبغي أن يتحول إلى محدد لمستوى تعليمه أو جودة علاجه أو فرصه في العمل والحياة الكريمة، داعياً إلى إعادة توجيه الاستثمار العمومي بما يخدم تقليص الفوارق المجالية بدل إعادة إنتاجها.

ويضع الحزب في دائرة اهتمامه مختلف الفئات والأجيال، من الأطفال والشباب والنساء، إلى المسنين والمتقاعدين والأشخاص في وضعية إعاقة، باعتبار العدالة التنموية مسألة تتجاوز الفئات الانتخابية إلى بناء عقد اجتماعي أكثر إنصافاً.

لشكر يحذر من «فاتورة» إصلاح التقاعد

وفي حديثه عن المتقاعدين والمسنين، دعا لشكر إلى اعتماد إجراءات تحافظ على قدرتهم الشرائية، وتضمن ولوجهم الكريم إلى العلاج والرعاية والحماية الاجتماعية، فضلاً عن صون مشاركتهم في الحياة العامة.

وحذر من استمرار تأجيل إصلاح أنظمة التقاعد، معتبراً أن عدم اتخاذ القرار اليوم لا يعني الحياد، بل يعني نقل كلفة الاختلالات الحالية إلى الأجيال المقبلة.

المرأة.. «مواطنة كاملة» لا ورقة انتخابية

وحظيت قضايا النساء بموقع بارز في البرنامج، حيث أكد لشكر أن الاتحاد الاشتراكي يتعامل مع المرأة باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق، وليس مجرد عنوان انتخابي يستحضر في الخطب والمناسبات.

وانتقد ما اعتبره استمراراً لاستدعاء قضايا النساء في الخطابات السياسية والوعود الانتخابية، قبل أن يتم تأجيل حقوقهن عندما يحين وقت اتخاذ القرار، داعياً إلى الانتقال من الوعود إلى إجراءات وسياسات ملموسة.

التوازن المؤسساتي في مواجهة «استحواذ» الأغلبية

وعلى المستوى المؤسساتي، جعل الاتحاد الاشتراكي من التوازن بين المؤسسات أحد المرتكزات الأساسية لبرنامجه، محذراً من تضخم مؤسسة على حساب أخرى، أو تداخل سلطة المال مع سلطة القرار، أو تحول الأغلبية العددية إلى وسيلة للاستحواذ السياسي.

واعتبر لشكر أن قوة الدولة والمؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على تنفيذ المشاريع، وإنما كذلك بمدى استقلاليتها عن الأشخاص والمصالح والظرفيات السياسية.

وقال إن المغرب الصاعد يحتاج إلى مؤسسات أقوى من الأشخاص والمصالح، منتقداً تضييق المسافة بين من يضع القاعدة القانونية ومن يمكن أن يستفيد منها.

تضارب المصالح.. من الاستثناء إلى «الريع»

وفي صلب هذه الرؤية، وضع لشكر قضية تضارب المصالح، معتبراً أن غياب الفصل الواضح بين المصلحة الخاصة والقرار العمومي يمكن أن يحول الريع من ممارسة استثنائية إلى نتيجة طبيعية لاختلال قواعد الحكامة.

ويقترح الحزب في هذا المجال اعتماد تنافٍ صارم بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بالقرارات المتخذة، إلى جانب إقرار تصريح علني بالممتلكات يكون قابلاً للتدقيق، وتعزيز استقلالية مجلس المنافسة وتمكينه من التدخل التلقائي لمواجهة الممارسات المنافية للمنافسة، مع نشر قراراته.

كما يدعو البرنامج إلى إخضاع الإعفاءات الضريبية لتقييم دوري وعلني، وجعلها امتيازات مؤقتة قابلة للمراجعة والسحب، فضلاً عن اعتماد شفافية كاملة في الصفقات العمومية.

الاتحاد يضع مرشحيه تحت الاختبار

ولم يكتف الحزب بطرح هذه المبادئ على المستوى الحكومي والمؤسساتي، بل أعلن لشكر أن الاتحاد الاشتراكي سيبدأ بتطبيقها داخلياً.

وسيكون كل مرشح اتحادي مطالباً بالتوقيع على تعهد بعدم الجمع بين المسؤولية العمومية والمصلحة الاقتصادية المرتبطة بها، في خطوة يقدمها الحزب باعتبارها ترجمة عملية لشعار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لشكر: التنمية تحتاج إلى مؤسسات قوية وثقة المواطن

وختم لشكر تصوره بالتأكيد على أن الطموح الوطني لا يمكن اختزاله في المؤشرات الاقتصادية، بل يتطلب أيضاً مؤسسات قوية، وديمقراطية ذات جودة، وثقة متجددة للمواطن في القانون.

وبالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي، فإن المشاريع الكبرى تحتاج إلى مؤسسات تتوفر على الكفاءة والنزاهة والاستمرارية، فيما يحتاج الاستثمار إلى الأمن القانوني، والتنمية إلى العدالة الاجتماعية، والاستقرار إلى جبهة داخلية متماسكة وواثقة.

وبذلك يقدم الحزب برنامجه الانتخابي باعتباره محاولة للانتقال من منطق تدبير التنمية إلى سؤال توزيع ثمارها، ومن محاسبة الأفراد إلى إصلاح القواعد، ومن قوة الأشخاص إلى قوة المؤسسات.

اقرأ أيضا…

مبالغ بالملايين تشعل أزمة التزكيات بالاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى