الرئسيةسياسة

تحالف اليسار يضع المال الانتخابي تحت المساءلة

لن يكون الرهان الحقيقي لتحالف اليسار بعد انتخابات 23 شتنبر هو عدد المقاعد التي انتزعها، بل ما سيفعله بهذه المقاعد داخل البرلمان.

هذا ما حاول عمر محمود بنجلون، الفائز بمقعد الرباط-المحيط باسم التحالف، وضعه في صدارة الندوة الصحفية التي عقدتها فدرالية اليسار السبت 26 شتنبر بالرباط: ثمانية نواب، ومعارضة قوية، ومراقبة للعمل الحكومي من داخل اللجان والجلسات العامة.

بنجلون استند إلى الفصل العاشر من الدستور ليؤكد أن المعارضة ليست مجرد موقف سياسي، وإنما مؤسسة دستورية، متعهدا بمواجهة ما وصفه بـ«السياسات والقوانين الجائرة»، خصوصا تلك التي يرى التحالف أنها تمس القدرة الشرائية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

المعركة تبدأ من الأسعار والقوانين

المواجهة، بحسب بنجلون، لن تبقى في مستوى الشعارات.

الأسعار والمحروقات، القوانين المنظمة للمهن، المسطرة المدنية والجنائية، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، ستكون، وفق ما عرضه، من الملفات التي سيحاول نواب التحالف جعلها ساحة للمساءلة البرلمانية.

وانتقد بنجلون خيارات اقتصادية مرتبطة بالتصدير، داعيا إلى إعطاء الأولوية للأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، في وقت تواجه فيه الأسر ضغطا متزايدا للأسعار.

من البرلمان إلى صناديق الاقتراع

لكن بنجلون لا يقرأ حضور التحالف البرلماني بمعزل عن نتائج 23 شتنبر، فبالنسبة إليه، تكمن دلالة النتائج في وصول تحالف اليسار إلى مراتب متقدمة في مناطق داخل أكدال الرياض، وتحقيقه مراتب ثالثة ورابعة وحتى خامسة في مناطق وصفها بأنها كانت تاريخيا مرتبطة بالتصويت القائم على المال الانتخابي.

ومن هنا يقلب التحالف زاوية قراءة النتيجة: المقعد ليس هو القصة كلها، وإنما ما كشفته صناديق الاقتراع عن إمكانية اختراق معاقل انتخابية تقليدية.

«الوعي» في مواجهة المال

ذهب بنجلون أبعد من ذلك، معتبرا أن المعركة الانتخابية كشفت، في قراءته، مفارقة جديدة: «الفاسد والمصلح» بدل التقابلات السياسية التقليدية بين اليمين واليسار أو المحافظ والحداثي.

وقال إن التصويت الواعي تمكن، نسبيا، من مواجهة ما وصفه بـ«التصويت الفاسد»، معتبرا أن التحالف انتصر أيضا على العزوف والتشاؤم.

وبذلك، لا يقدم بنجلون النتيجة باعتبارها مجرد مكسب انتخابي، بل باعتبارها، حسب قراءته، مؤشرا على «عودة الضمائر» إلى العملية الانتخابية.

السؤال الذي يطارد الحملات: من أين لك هذا؟

في خلفية هذه القراءة يضع بنجلون ملف المال الانتخابي، فهو لا يرى أن النقاش ينبغي أن يتوقف عند السقف القانوني للإنفاق، بل ينتقل إلى مصدر الأموال التي تُضخ في الحملات.

وسأل بوضوح عن مصادر الأموال التي تسمح بإنفاق مبالغ كبيرة خلال أيام الحملة، واضعا سؤال «من أين لك هذا؟» في قلب النقاش حول نزاهة الانتخابات.

وتحدث عن حالات قالت لجنة اليقظة إنها رصدتها قرب مراكز الاقتراع، بينها توجيه ناخبين لفائدة أحزاب، وتقديم أموال أو مساعدات عينية مقابل التصويت، مضيفا أن السلطات تدخلت في عدد من الحالات.

إشادة بالسلطات المحلية واعتراف بالخصومة

وفي المقابل، أشاد بنجلون بالسلطات المحلية وبعمل لجنة اليقظة، معتبرا أنها ساهمت في الحد من بعض مظاهر التلاعب ورصد المخالفات.

كما خص منافسين بالإشادة، متحدثا عن «الخصومة الشريفة» التي قال إنها ظهرت لدى أحد الأحزاب خلال الحملة، رغم الخلاف السياسي والإيديولوجي.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

بهذا المعنى، يضع تحالف اليسار نفسه أمام معادلة تتجاوز لحظة الانتخابات: تحويل ثمانية مقاعد إلى صوت معارض حاضر، وتحويل اختراق انتخابي محدود إلى حضور سياسي مستمر.

فالاختبار المقبل لن يكون فقط في عدد المداخلات أو الأسئلة البرلمانية، وإنما في قدرة هذا التحالف على جعل المعارضة أداة لمراقبة الحكومة، ومواجهة السياسات التي يعتبرها مجحفة، وربط العمل البرلماني مباشرة بما يعيشه المواطن من أسعار وضغط اجتماعي واقتصادي.

الانتخابات انتهت. بالنسبة لتحالف اليسار، المعركة التي يراها أكثر أهمية بدأت داخل البرلمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى