رأي/ كرونيككورونا

نجيب كومينة يكتب: كورونا تفرض استحقاقات وتعيد بالضرورة إعادة ترتيب الأولويات

محمد نجيب كومينة

لأن كورونا مفاجئة وتمثل تهديدا للحياة، فقد كان طبيعيا أن تكون مواجهتها بقرارات وإجراءات تنحصر في المدى القريب، بله القريب جدا، تتطور وتتغير بشكل يومي تقريبا بحسب اتساع رقعة الوباء وعدد ضحاياه.

وإذا كان اتخاذ القرار في ظرف كهذا يتطلب توفر المقررين على استعدادات ذهنية ونفسية خاصة، بحيث لايجعلهم الضغط المتعاظم يفقدون تركيزهم وعقلانيتهم وشجاعتهم أيضا، لان القيادة في ظرفية يغلب فيها الخوف، بل الرعب، تستدعي تعميم الشعور بالثقة وخلق تفاعل إيجابي مع كافة شرائح المجتمع وحالة من التضامن الجماعي وتسخير الامكانيات المتاحة لترسيخها.

وقد نجح المغرب الى حد بعيد في ذلك، كما نجحت كوريا الجنوبية والصين، بينما واجهت مجموعة من الدول الكبيرة مشاكل عويصة في تدبيرهذا الطارئ الخطير وتخبطت كثيرا بسبب عجز قياداتها عن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب او تخبطها او ترددها مما ادى الى انفلات الوباء من السيطرة وسقوط عدد كبير من الضحايا، كما يحدث الان بالولايات المتحدة وقبلها ايطاليا وفرنسا وغيرها.

واذا كان طبيعيا وضروريا ان يتم التركيز بشكل كبير على المدى القصير في المعركة ضد الوباء بغرض السيطرة عليه وانقاذ الارواح الان، مع ما يستتبع ذلك من اجراءات اقتصادية واجتماعية للحد من التاثيرات الناتجة عن توقف عدد كبير من الانشطة والقطاعات وتراجع او توقف مجموعة من الموارد العمومية،

فإنه من الطبيعي والضروري أيضا ان يحضر في هذا الوقت التفكير العقلاني والرصين في أفق الخروج ليس فقط من الحجر المنزلي تدريجيا ، بل واأضا في الحد من اي اثارسلبية يمكن أن تترتب عن عدد من الإجراءات التي اتخذت واتخاذ القرارات التي تحد من اثارها السلبية، وعلى الخصوص في التغييرات التي تفرض نفسها على المدى البعيد من اجل تحصين الوطن والشعب المغربي في مواجهة مختلف التحولات التي جاءت كورونا لتسريعها وساهمت في ترتيب سلم اولوياتها.

ومن الطبيعي والضروري ان يستحضر كل تفكير يقوم على بعد النظر ما حدث من تجاوب بين الدولة والمجتمع في مواجهة الوباء في اتجاه تعميق الثقة وليس تبديدها كما تبددت فرص سابقة، خصوصا وان الدولة مطالبة في السنوات القادمة بتحمل مسؤوليتها كاملة في قيادة معركة مصيرية للخروج بشكل نهائي من التخلف واعادة بناء التوازنات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية وفق رؤية جديدة للتنمية توفر اساسا لحل وسط تاريخي جديد يضمن عيشا مشتركا هادئا ومسارا ديمقراطيا جديدا يعيد للتمثيلية اعتبارها على اساس تجديد الحقل السياسي وتحريره من الفاشلين والانتهازيين والوصوليين الذين ابانوا عن هشاشة وجهل وتدهور اخلاقي غير مسبوق.

وإذا كانت التغييرات والإصلاحات المطلوبة كثيرة لأن الامر سيتعلق بإعادة هيكلة شاملة فإن هناك أولويات ساهمت كورونا في إبرازها وأظهرت استعجاليتها

– تقوية اقتصادنا وتهيئه للمرحلة المقبلة لتحاشي الصدمات التي يمكن ان تترتب عن اتجاه بعض البلدان الى اعادة توطين بعض الصناعات وجعل سلسلة القيمة متحكم فيها، وكذلك تراجع الطلب عالميا على عدد النتجات، كالسيارات الخاصة مثلا.ويجب مند الان التفكير في جعل البنيات الصناعية التي ارتبطت بتلك الصناعات تتحول الى مكاسب عبر وضع مخططات لضمان تحولها وانذماجها وطنيا كي تكون من رافعات التنمية الصناعية التي يجب ان تحظى باولوية كبرى ويجب ان تخصص لها الاستثمارات اللازمة ويتم تكوين الاطر التي تنهض بها. ومن المفروض ان تشكل الصناعات البديلة للاستيراد، التي كانت قد تعرضت لهجوم فيما سبق، احد اهداف هذه التنمية الصناعية للحد من الاستيراد المتوحش الذي يعمق عجز ميزاننا التجاري ويستنزف احتياطي العملة الصعبة وينشر قيم استهلاكية سيئة وغير مناسبة لنا.

– لكن هذا لايعني باي حال من الاحوال الدعوة الى الانغلاق، المستحيل اليوم وغذا،فالمطلوب في نفس الوقت العمل على ان يكون لنا موقع في اطار التحول المتوقع في سلسلة القيمة التي ينتظر ان يسود الميل الى جعلها جهوية، خصوصا بالنسبة لاوروبا القريبة منا والتي نرتبط بها بعلاقات تعاقدية، ومن شان هذا الميل ان يوفر فرصا على المستوى الصناعي يجب التهيئ لها بالتكوين وامتلاك قدرات تكنولوجية متطورة. فالامر لن يكون مقتصرا، في حال حصول هذا التحول، على اعمال المناولة والتركيب التي ظللنا اسرى لها لحد الان نظرا لضعف المقاول المغربي وبحثه عن السهولة والربح السريع.

– ولكي ننجح فيما سبق، فلا بد لنا من ان نحدد بدقة ما نمتلك الموارد والامكانيات لانتاجه، ومانملك القدرة على اثقانه، وما نستطيع ان نطور امكانياتنا لاثقانه، وما يجب علينا تعلمه واثقانه كي نوجه التكوين والاستثمار المستقبلي نحوه ونستطيع تركيز جهودنا عليه. وان الموقع الذي تمكننا من اكتسابه على مستوى الفوسفاط ومشتقاته عالميا، والذي يجب الحفاظ عليه وتقويته في مواجهة منافسين اقوياء كالولايات المتحدة والصين وروسيا واخرين، ليعتبر نموذجا لما يجب الانطلاق منه واعتباره امتيازا مقارنا قابلا للتثمين.

وإن كان مطلوبا أن يعمل المجمع الشريف للفوسفاط على تطوير قدرات فيما يتعلق بالأسمدة الفوسفاطية ذات الجودة الاعلى MAP التي تتصدر الولايات المتحدة إنتاجها وتصديرها  ولم لا تنويع منتجاته فيما يخص مختلف أنواع الأسمدة وغيرها من المنتجات الموجهة للفلاحة  والبين  إلى اليوم أن منتجات المجمع لاتواجه مشاكل كبيرة على المدى البعيد بسبب ازدياد الحاجة الى الانتاج الغذائي عالميا

– ومما لاشك فيه ان المغرب مطالب بزيادة انتاجه الفلاحي والغذائي لضمان امنه الغذائي في عالم بينت ازمة كورونا انه من الاساسيات التي لايمكن لاي دولة مسؤولة ان تفرط او تتهاون فيها والا كانت عرضة لاخطار كبيرة. والامن الغذائي ليس مرادفا للاكتفاء الذاتي الغذائي غير الممكن طبيعيا، اذ سنظل في حاجة الى استيراد الحبوب مثلا، وبالاخص في المواسم الجافة، غير ان هذا الامن لن يتحقق الا اذا تمكننا من تعبئة امكانيات فلاحتنا غير المعباة وتحديثها، والعمل على حل عدد من المشاكل التي لم تحل لحد الان من قبيل التجميع ووقف تفتيت الملكيات بسب الارث، وتخفيف الضغط على الاراضي الفلاحية بالعمل على تنمية قروية توفر فرص شغل بديلة للفلاحة وخلق فضاءات شبه حضريقلص الهجرة المباشرة الى المدن وتوفر فرص للاستثمار في الخدمات الموجهة للفلاحة والسكان القرويين.

وتمثل التعاونيات وسيلة لتحقيق كثير من هذه الاهداف، شرط اعادة النظر في السياسة التعاونية وادوات تدخل الدولة في هذا الميدان التي لم تكن ولم تعد صالح وتكرر بعضها البعض بلا نتيجة في مستوى ما يصرف، وايضا تحير القطاع التعاوني من الفساد الذي يمثل اتحاد التعاونيات الفلاحية مرتعا له ومن بعض من يستعملونه لممارسة الغش الضريبي المكشوف كبعض تعاونيات العسل التي لاصلة لها بالعمل التعاوني.

-من غير المعقول في بلدنا الذي يتوفر على مؤهلات كثيرة ان يسجل ميزانه التجاري الغذائي عجزا دائما وبنيويا. وهذا ما يطرح ليس فقط اعادة النظر في الانتاج لتغطية حاجيات السوق الداخلية، بل وايضا لتطوير الصادرات، وكذلك وقف الاستيراد المتوحش الذي يخذم مصلحة البعض من المستوردين والمستهلكين ولا يحقق مصلحة البلاد. ومن المفروض اليوم،في ظل توفر فرص حقيقية، ،ان يكون تطوير الانتاج الغذائي، الذي يشمل الفلاحة والصيد الحري والصناعات الغذائية، من الاولويات العاجلة على اساس الانتقال الى منظور مندمج Agro Business يعتمد تكامل سسلسلة القيمة ويقلص من العمل الطفيلي للوسطاء.

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى