
فيلم “البحر” يربك المشهد الثقافي الإسرائيلي
أثار فوز فيلم “البحر” بجائزة أفضل فيلم في جوائز أكاديمية السينما الإسرائيلية، المعروفة إعلامياً بـ”الأوسكار الإسرائيلي“، جدلاً واسعاً تجاوز حدود الفن ليصل إلى قلب السياسة والثقافة..
الفيلم الذي يروي قصة طفل فلسطيني من الضفة الغربية المحتلة، لم يكن مجرد عمل سينمائي بل تحوّل إلى مرآة عاكسة لتوترات عميقة بين الرواية الفلسطينية ومحاولات المؤسسة الرسمية الإسرائيلية للتحكم في الخطاب الثقافي.
قصة إنسانية تتحدى الرواية الرسمية
يركز الفيلم على معاناة طفل فلسطيني يعيش في واقع الاحتلال، حيث تتقاطع براءته مع قسوة الظروف اليومية التي تفرضها الجدران والحواجز.
جاءت الحكاية بسيطة في ظاهرها لكنها محملة بدلالات قوية حول الصراع على الهوية والذاكرة والإنسانية، ما جعلها تجد صدى واسعاً داخل الأوساط الفنية والحقوقية وحتى لدى الجمهور الإسرائيلي الذي وجد نفسه أمام صورة نادرة لفلسطيني ليس عبر عدسات الإعلام الرسمي بل من خلال عدسة الفن.
خلفية الجائزة وأهميتها
تعد جوائز أكاديمية السينما الإسرائيلية، التي انطلقت في ثمانينيات القرن الماضي، من أبرز المنصات الثقافية في إسرائيل وتوازي في قيمتها المعنوية جوائز الأوسكار الأميركية بالنسبة لصناعة السينما المحلية.. حيث لا تقتصر هذه الجائزة على تكريم الأفلام بل تمثل اعترافاً مؤسسياً بأعمال فنية ترسم صورة عن المجتمع وتوجهاته، وهو ما يجعل نتائجها محط أنظار الإعلام وصنّاع القرار.. ومن هنا تبرز حساسية فوز “البحر”، إذ أن منح الجائزة لعمل يسلط الضوء على حياة طفل فلسطيني جاء في لحظة سياسية محتدمة، ما ضاعف من وقع الجدل وأعطاه أبعاداً أبعد من مجرد اختيار فني.
تهديد وزير الثقافة
النجاح الذي حققه الفيلم لم يرق لوزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار، الذي خرج بتصريحات صادمة هدد فيها بوقف تمويل جوائز الأكاديمية وحفل توزيعها، معتبراً أن تكريم فيلم من هذا النوع يتعارض مع ما يسميه “القيم الوطنية”..كسف تهديد الوزير عن عمق الإشكال القائم بين حرية الإبداع والرقابة السياسية، وأعاد طرح تساؤلات حول حدود استقلالية المؤسسات الثقافية في إسرائيل ومدى قدرتها على احتضان أصوات لا تسير في خط الرواية الرسمية.
جدل يتجاوز الفن
الجدل حول فيلم “البحر” لا يتعلق بالسينما فقط، بل يعكس صراعاً أوسع بين ثقافة تحاول أن تفتح نافذة على الآخر، وبين سلطة تسعى إلى إحكام قبضتها على الخطاب العام.فيما رأى الكثيرون في التهديد بوقف التمويل محاولة للضغط على الفنانين ودفعهم إلى ممارسة رقابة ذاتية، وهو ما يهدد المشهد الإبداعي الإسرائيلي بالانغلاق والتقوقع على خطاب أحادي.
السينما كجسر للذاكرة والهوية
فوز “البحر” في هذه الظروف لم يعد مجرد اعتراف بجودة عمل فني، بل أصبح حدثاً سياسياً بامتياز. الفيلم أعاد طرح مكانة السينما كأداة قادرة على اختراق الجدران وإيصال الروايات المهمشة إلى العلن، مؤكداً أن الصورة قد تكون أكثر قوة من الشعارات والخطابات الرسمية، ومن هنا، بدا أن “الأوسكار الإسرائيلي” تحول فجأة إلى ساحة مواجهة بين الفن والسياسة، وبين الاعتراف بالآخر والسعي إلى طمسه.





