
القصر الكبير…التواصل في الأزمات ليس ترفا
بقلم: احمد دابا
أولا: المشكلة ليست في رئيس جماعة يتكلم، بل في دولة لا تتكلم….
من هو هذا “سيمو” الذي تجد الصحافة نفسها مضطرة، اضطرارا لا اختيارا، إلى استقاء المعطيات منه، وبناء أخبارها على تصريحاته حول ما يقع أو ما سيقع في مدينة القصر الكبير؟
منطوق كلام سيمو أننا أمام كارثة كبرى أو حدث جلل سيحدث
حسب هذا “السيمو”، سيُقطع الماء والكهرباء والإنترنت، وطُلب من الصحافيين مغادرة المدينة، بل وأكثر من ذلك: دعا الساكنة إلى الرحيل، إلى الفرار، ومنطوق كلامه، أننا أمام كارثة كبرى أو حدث جلل سيحدث، يهدد الوجود نفسه.
إذا كان الأمر كذلك، أليس من حق الرأي العام المغربي أن يعرف؟
أليس من حقه أن يُنور رسميا، ما دام الأمر يتعلق بمدينة مغربية، وبجزء من شعب هذا الوطن؟ أم أن مدينة القصر الكبير لم تعد ضمن الجغرافيا السياسية للدولة، دون أن نبخس ما تقوم به، لكن ما تقوم به شيء وتنوير الرأي العام شيء اخر، لكنه هام وهام جدا، بل هو بنفس مستوى ما تقوم بهد الدولة وهو ابسط واجباتها؟
أين رئيس الحكومة؟ أين الحكومة التي نشرت كتاب “الإنجازات” وملأت الفضاء خطابات عن الاستقرار والنجاعة؟
ألا يستحق المواطن المغربي أن يخرج مسؤول حكومي ليشرح، ليطمئن، ليقول الحقيقة كما هي؟ هل يُعقل أن يُعوض غياب الدولة سياسيا ومؤسساتيا بتصريحات رئيس جماعة، ورئيس جماعة أمي؟ هل صارت الدولة تُدار بالبلاغات الفيسبوكية والتخمينات، في زمن الأزمات المركبة: أزمة الماء، أزمة السدود، وأزمة تدبير قطاع حيوي يتصدره وزير اسمه نزار بركة لا يبدو منشغلا إلا بكيفية تسويق نفسه انتخابيا؟
المغرب الذي نريده أن ينهض لا يحتاج إلى تقنيي حملات انتخابية، بل إلى رجال ونساء دولة، يضعون الوطن فوق الحسابات، ويعتبرون التواصل مع الشعب واجبا لا مِنة.
أتابع نخب دول أخرى، شرسة في الدفاع عن تموقع بلدانها في خريطة العالم، واضحة في خطابها، حاضرة في أزماتها، وتستوقفني، على سبيل المثال، تجربة الجارة إسبانيا، حيث لا يُترك فراغ تملؤه الشائعات، ولا يُدفَع المواطن إلى الخوف بدل الحقيقة.
إن الفراغ بكلمة واحدة، لا يكون بريئا، والصمت، في لحظات القلق الجماعي، جريمة سياسية.
ما يقع في القصر الكبير ليس مجرد ارتباك تواصلي ولا سوء تقدير محلي، بل عرض فاضح لأزمة أعمق: أزمة الدولة حين تغيب في لحظة الخطر تواصليا.
حين تترك الحكومة فراغا، لا يبقى الفراغ فارغا؛ تملؤه التخمينات، ويملؤه الخوف، ويملؤه أشخاص لا يملكون شرعية القرار الوطني، لكنهم يتحولون، بحكم الصمت الرسمي، إلى مصدر “الحقيقة”.
المشكلة ليست في رئيس جماعة يتكلم، بل في دولة لا تتكلم.
وليست في تضخيم محتمل للحدث، بل في غياب خطاب مؤسساتي مسؤول يضع الوقائع في حجمها، ويطمئن المواطنين، ويؤكد أن الأمن المائي والعيش اليومي ليس مجالا للتجريب أو الارتجال.
إن القصر الكبير ليست حالة معزولة، بل مرآة لسياسة تُدار بمنطق الانتخابات لا بمنطق الدولة.
حين تُقدّم الحسابات السياسية الضيقة على الحق في المعلومة، تتحول الأزمات الطبيعية إلى أزمات ثقة، وتتحول الحكومة من فاعل إلى متفرج.
فالدول لا تُقاس بخلوها من الأزمات، بل بكيفية حضورها داخلها.
وحين يختفي هذا الحضور، تصبح المدينة بلا حماية سياسية، ويصبح المواطن وحيدا في مواجهة القلق، ويصبح الصمت الحكومي فعلا سياسيا له كلفة وطنية.
ما يحتاجه المغرب اليوم ليس خطابات إنجاز بعد وقوع الخطر، بل قيادة تتقدم الصفوف عند أول إنذار، وتفهم أن التواصل في الأزمات ليس ترفا، بل أحد أعمدة السيادة.
قد يكون الخطر حقيقيا.
قد يكون السد مهددا بتصدع أو انشقاق، وقد تكون المعطيات التقنية دقيقة إلى درجة أن الإفصاح الخام عنها قد يُنتج هلعا جماعيا، وتدافعا، وكوارث جانبية لا تقل خطورة عن الخطر الأصلي. هذا الاحتمال مفهوم، بل ويمكن تفهمه سياسيا وأمنيا.
لكن الفهم لا يعني التبرير.
فالخوف من الهلع لا يُبرر الصمت المطلق، ولا يُبرر ترك المجال مفتوحا للشائعات، ولا يُبرر أن تُدار لحظة حساسة بهذا القدر من الارتجال.
الدولة ليست مطالَبة بكشف كل التفاصيل التقنية، لكنها مطالبة بشيء أبسط وأعمق في آن:
حملة تواصل مسؤولة، مدروسة، ومتدرجة، تشرح دون تهويل، وتطمئن دون إنكار، وتحترم ذكاء الرأي العام بدل افتراض عجزه عن الفهم.
حين تختار الدولة الصمت، فهي لا تمنع الهلع، بل تؤجله وتضاعفه.
وحين تترك المعلومة تتسرب بلا سياق، تتحول الوقاية إلى فوضى، والحذر إلى ذعر، فإدارة المخاطر لا تكون بإخفاء الصوت، بل بتحكم الدولة في الرواية، ففي الأزمات الكبرى، التواصل ليس خطرا إضافيا، بل أحد أدوات السلامة الوطنية، فقط المطلوب احترام الرأي العام، وعدم الاستهانة بذكائه.






