
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، عاد ملف البناء العشوائي إلى واجهة النقاش، لكن هذه المرة من زاوية تتجاوز الإشكال العمراني والاجتماعي، لتلامس شبهة توظيف بعض التجمعات غير المنظمة في حسابات انتخابية، وهو ما يثير أسئلة حول قدرة الدولة على تحصين العملية الانتخابية من شبكات المصالح والمال غير المشروع.
مؤشرات مقلقة قبل الاستحقاقات
تشير معطيات متداولة إلى رصد تحركات داخل عدد من المناطق التي تعرف انتشار البناء العشوائي، تزامنا مع بداية الاستعدادات غير المعلنة للانتخابات المقبلة. وتتمثل هذه التحركات، وفق المعطيات، في محاولات لاستمالة فاعلين محليين ومستغلين لأنشطة اقتصادية داخل هذه التجمعات، عبر وعود بتسهيلات مرتبطة بممارسة بعض الأنشطة، في مقابل ضمان دعم سياسي أو لوجستي خلال المرحلة الانتخابية.
ورغم أن هذه المؤشرات لا ترقى في حد ذاتها إلى إثبات مخالفات انتخابية، فإنها تعكس حجم التخوف من عودة ممارسات طالما ارتبطت بالمواسم الانتخابية، حيث تتحول بعض الهشاشات الاجتماعية إلى أوراق ضغط واستقطاب.
اقتصاد الظل في قلب المعادلة
اللافت أن الأنشطة التي يثار حولها الجدل ترتبط بمجالات تحقق مداخيل مهمة، مثل إعادة تدوير النفايات، وتخزين المتلاشيات، وبيع قطع السيارات المستعملة، وهي قطاعات توسعت بشكل ملحوظ في ضواحي المدن الكبرى، مستفيدة في بعض الحالات من ضعف المراقبة أو من وجود فضاءات غير مهيكلة.
ويحذر متابعون من أن اقتصاد الظل، إذا لم يخضع للمراقبة الصارمة، قد يتحول إلى مصدر لتمويل حملات انتخابية خارج القنوات القانونية، بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.
عودة البناء العشوائي… خطوة إلى الوراء
إلى جانب البعد الانتخابي، يثير تجدد البناء غير المرخص مخاوف بشأن مصير البرامج العمومية التي رصدت لها اعتمادات مالية كبيرة للقضاء على السكن غير اللائق وإعادة هيكلة الأحياء الهامشية.
فكل بناية جديدة تقام خارج القانون لا تمثل فقط مخالفة عمرانية، بل تعني أيضا ضغطا إضافيا على البنيات التحتية والخدمات الأساسية، وتهديدا للمرافق العمومية التي يفترض أن تستفيد منها الساكنة.
البيئة أول الضحايا
لا يقتصر أثر هذه الأنشطة على الجانب السياسي، بل يمتد إلى البيئة وجودة العيش. فالسكان في عدد من المناطق يشتكون من التلوث الناتج عن أنشطة إعادة تدوير البلاستيك وتخزين المتلاشيات، وما يصاحبها من دخان وروائح ومخلفات تؤثر على الصحة العامة، فضلا عن مخاطر الحرائق والحوادث.
الرهان على صرامة الدولة
الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإيقاف البناء العشوائي، بل أيضا بمنع استغلاله كوسيلة لبناء قواعد انتخابية أو خلق شبكات مصالح خارج القانون. فنجاح الانتخابات المقبلة لن يقاس فقط بنسبة المشاركة، وإنما كذلك بمدى قدرة المؤسسات على ضمان منافسة نزيهة بعيدة عن المال غير المشروع واستغلال النفوذ.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لصرامة أجهزة المراقبة، سواء في مواجهة مخالفات التعمير أو في التصدي لأي محاولة لتوظيف الهشاشة الاجتماعية والعمرانية في خدمة أجندات انتخابية، بما يعزز الثقة في المسار الديمقراطي ويحافظ على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين.




