الرئسيةسياسة

سبتة.. شبكات رقمية تستثمر في اليأس

من المنصات الرقمية إلى قاعات المحاكم

تحولت محاولات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة من مجرد محاولات فردية للهجرة غير النظامية إلى ظاهرة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والرقمية، بعدما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة فضاءات لتعبئة آلاف الشباب وإقناعهم بخوض مغامرات محفوفة بالمخاطر.

وفي هذا السياق، بدأت السلطات المغربية الانتقال من ملاحقة منفذي محاولات العبور إلى استهداف من يقفون خلف عمليات التنظيم والتحريض الإلكتروني، في خطوة تعكس تغيراً في طبيعة المواجهة مع شبكات تستثمر في اليأس أكثر مما تستثمر في التكنولوجيا.

القضاء يبعث برسالة حازمة

في هذا الإطار، أصدرت المحكمة الابتدائية بتطوان أحكاماً بالحبس تراوحت بين خمسة وستة أشهر، إضافة إلى غرامات بلغت ألف يورو، في حق 11 شخصاً يشتبه في تورطهم في تنظيم أو التحريض على عمليات العبور الجماعي نحو سبتة.

وتفيد معطيات بوابة المحاكم التابعة لوزارة العدل بأن تسعة متهمين أدينوا بسبب أفعال مرتبطة بتسهيل المغادرة السرية لمواطنين مغاربة أو أجانب من خارج المعابر الحدودية القانونية، إلى جانب مخالفات تتعلق بنقل الركاب دون ترخيص أو تجاوز الطاقة الاستيعابية لوسائل النقل العمومي، بينما أُدين شخصان آخران بتهمة التحريض على ارتكاب أفعال إجرامية بواسطة وسائل إلكترونية.

“واتساب”.. منصة للتعبئة بدل التواصل

لم تتوقف التحقيقات عند المنفذين، بل امتدت إلى العالم الرقمي بعدما تمكنت مصالح الدرك الملكي بالفنيدق، بتنسيق مع المركز القضائي للدرك الملكي بتطوان، من توقيف شخصين يشتبه في إشرافهما على مجموعة عبر تطبيق “واتساب” استُخدمت لنشر رسائل تحث الشباب على التوجه جماعياً نحو سبتة عبر البحر.

ووفق المعطيات المتوفرة، فقد وُضع المشتبه فيهما تحت تدبير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة المختصة، في انتظار استكمال الأبحاث وتحديد امتدادات نشاط المجموعة وعلاقاتها المحتملة بصفحات أو حسابات رقمية أخرى يُعتقد أنها لعبت دوراً في تعبئة الراغبين في الهجرة غير النظامية.

عشرات المتابعين… وقاصرون في قلب الأزمة

بموازاة الأحكام الصادرة، يواجه 20 شخصاً آخرون المحاكمة في حالة اعتقال بتهم ثقيلة تشمل العصيان، واستعمال السلاح، والاعتداء على موظفين عموميين، والتخريب، وإلحاق أضرار بممتلكات عمومية.

وتضم لائحة المتابعين خمسة قاصرين، أكد أشرف ميمون، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتطوان، أنهم نُقلوا إلى مركز لحماية الطفولة بضواحي الرباط بعد الاشتباه في مشاركتهم في أعمال عنف وتخريب، غير أن متابعة هذه الملفات تعرف بطئاً نسبياً بسبب الإضراب الذي يخوضه المحامون منذ أسابيع، ما ينعكس على وتيرة سير المحاكمات.

الهجرة… مرآة لاختلالات أعمق

تكشف هذه التطورات أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، ليست سوى جزء من معادلة أكثر تعقيداً، فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، ما يزال معدل البطالة في المغرب يدور حول “13%”، بينما يتجاوز “36%” في صفوف الشباب الحضري، وهي مؤشرات تعكس اتساع دائرة الإحباط لدى فئات واسعة تبحث عن أي منفذ لتحسين أوضاعها.. كما تشير تقارير دولية، من بينها المنظمة الدولية للهجرة، إلى أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع فرص الإدماج الاجتماعي تعد من أبرز دوافع الهجرة غير النظامية في منطقة شمال إفريقيا.

وفي المقابل، بات الفضاء الرقمي يلعب دوراً محورياً في تضخيم هذه الظاهرة، إذ تحولت مجموعات مغلقة على تطبيقات المراسلة إلى أدوات لترويج معلومات مضللة وإشاعة فكرة “العبور الجماعي” باعتبارها فرصة مضمونة للوصول إلى أوروبا، وهو ما يمنح شبكات التحريض قدرة أكبر على استقطاب الشباب.

الفنيدق… أزمة تتجاوز الحدود

تأتي هذه الأحكام بعد توقيف نحو 70 شخصاً على خلفية الاضطرابات التي شهدتها مدينة الفنيدق يومي 30 و31 يوليوز، بالتزامن مع تجمع عشرات الآلاف من الأشخاص في محيط المدينة في محاولة للتوجه نحو سبتة.

وتؤكد هذه الوقائع أن ملف الهجرة غير النظامية لم يعد مجرد قضية حدودية، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السياسات العمومية على توفير الأمل للشباب، ولمدى قدرة الدولة على موازنة الحزم الأمني مع سياسات تنموية تقلص دوافع الهجرة قبل أن تتحول إلى موجات جماعية يصعب احتواؤها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى