
في كل مرة ترتفع فيها أسعار المحروقات، يتكرر المشهد نفسه تبريرات جاهزة، وإحالات على الأسواق الدولية، وصمت رسمي يكاد يتحول إلى سياسة عمومية، أما المواطن المغربي، فلا يجد سوى فاتورة جديدة يدفعها من قدرته الشرائية التي أنهكتها سنوات من الغلاء.
الزيادة ليست رقما… بل سلسلة من الأزمات
الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات لا يعني فقط أن السائق سيؤدي مبلغا أكبر عند محطة الوقود، بل يعني تلقائيا ارتفاع كلفة نقل البضائع، وزيادة مصاريف الإنتاج، وغلاء أسعار المواد الغذائية والخدمات. إنها حلقة تضخمية يعرف الجميع بدايتها، لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بنهايتها.
ورغم أن جزءا من هذه الزيادات يرتبط بتقلبات السوق الدولية والتوترات الجيوسياسية، فإن السؤال الذي يطرحه المغاربة بإلحاح هو أين دور الحكومة في حماية السوق الداخلية من هذه الصدمات؟
تحرير الأسعار… والنتيجة أرباح للموزعين وخسائر للمواطن
منذ تحرير قطاع المحروقات، ظل الوعد الرسمي هو أن المنافسة ستخفض الأسعار وتعود بالنفع على المستهلك لكن الواقع أثبت العكس، فالأسعار ترتفع بسرعة قياسية كلما ارتفع النفط عالميا، بينما تتأخر في الانخفاض عندما تتراجع الأسعار الدولية، حتى أصبح الانطباع السائد لدى الرأي العام أن الشركات “ترفع بالدراهم وتخفض بالسنتيمات”.
هذا الوضع يعيد إلى الواجهة ملف هوامش أرباح شركات التوزيع، الذي لم يحسم فيه بشكل يضمن الشفافية والإنصاف، رغم الجدل الكبير الذي رافق تقارير مؤسسات دستورية وهيئات المنافسة خلال السنوات الماضية.
حكومة الغياب… لا حلول ولا مبادرات
ما يثير الاستغراب ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل الغياب شبه التام لأي إجراءات حكومية تخفف من آثارها، فلا دعم موجه للقطاعات الأكثر تضررا، ولا آليات لحماية القدرة الشرائية، ولا حتى خطاب رسمي يطمئن المواطنين أو يشرح خطة واضحة للتعامل مع الأزمة.
وفي الوقت الذي سارعت فيه عدة دول إلى اعتماد تدابير استثنائية للحد من انعكاسات تقلبات الطاقة، يبدو أن الحكومة المغربية تكتفي بدور المتفرج، تاركة السوق تتحكم في الأسعار، والمواطن يتحمل وحده الكلفة.
الطبقة المتوسطة أول الضحايا
المتضرر الأكبر ليس أصحاب الدخل المرتفع، بل الأسر المتوسطة والضعيفة، التي أصبحت تواجه ارتفاعا متزامنا في أسعار الوقود والغذاء والنقل والكهرباء والخدمات، ومع كل زيادة جديدة، تتراجع القدرة الشرائية أكثر، ويتآكل ما تبقى من دخل الأسر.
وإذا استمرت الأسعار في منحاها التصاعدي، فإن انعكاساتها لن تقتصر على جيوب المواطنين، بل ستمتد إلى الاستثمار والاستهلاك والنمو الاقتصادي، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى تحفيز الاقتصاد لا إلى إثقال كاهله بمزيد من الأعباء.
حكومة مطالبة بالفعل لا بالتبرير
لا أحد ينكر أن أسعار النفط تخضع لعوامل دولية، لكن مسؤولية الحكومة تبدأ من كيفية تدبير آثار هذه التقلبات داخليا، فالدولة لا تملك التحكم في سعر برميل النفط، لكنها تملك أدوات الرقابة، وآليات ضبط المنافسة، والسياسات الضريبية، وإجراءات حماية الفئات المتضررة.
أما الاكتفاء بإلقاء اللوم على الأسواق العالمية في كل مرة ترتفع فيها الأسعار، فلم يعد يقنع المغاربة، الذين ينتظرون قرارات ملموسة لا تفسيرات متكررة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد مع كل زيادة ، إذا كانت الأسعار ترتفع فور ارتفاع النفط عالميا، فلماذا لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما يتراجع؟ سؤال يتكرر منذ سنوات، لكنه لا يزال ينتظر جوابا سياسيا واقتصاديا أكثر إقناعا من مجرد شماعة “الظرفية الدولية”





