
بقلم جيهان مشكور
لم يعد المناخ في المغرب مجرد خلفية طبيعية تُؤطر المواسم الفلاحية، بل تحول إلى فاعل رئيسي يعيد رسم ملامح الاقتصاد القروي ويختبر تماسك نموذج تنموي بُني على فرضية الاستقرار المناخي.. واليوم، وفي ظل تسارع التغيرات، يجد القطاع الفلاحي نفسه في قلب معادلة صعبة، حيث لم تعد التحديات تقنية أو ظرفية، بل وجودية تمس الأمن الغذائي والتوازنات الاجتماعية وحتى الخيارات الاستراتيجية للدولة.
مواسم معلقة بين السماء والقلق
تتوالى سنوات الجفاف في المغرب بشكل يكاد يلغي فكرة “الموسم العادي”، حيث لم تعد الأمطار ضيفاً منتظماً بل حدثاً استثنائياً، فقد سجلت عدة مواسم فلاحية عجزاً مطرياً تجاوز في بعض الأحيان 40 إلى 50 في المائة مقارنة بالمعدلات التاريخية، خاصة في مناطق حيوية مثل سوس ماسة والجنوب الشرقي، هذا التراجع لم يضرب فقط الزراعات البورية التي تشكل عماد معيشة آلاف الأسر، بل امتد أثره إلى سلاسل الإنتاج بأكملها، من الحبوب إلى الأعلاف، مروراً بتربية الماشية التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في القطيع الوطني.
في ظل هذا الاضطراب، لم يعد الفلاح يزرع وفق تقويم زمني واضح، بل وفق رهانات مفتوحة على احتمالات مناخية غير مضمونة، الأمطار، حين تأتي، تأتي متأخرة أو بشكل فجائي وعنيف، ما يقلل من فعاليتها الزراعية ويزيد من مخاطر التعرية وفقدان التربة،و هكذا، يتحول الموسم الفلاحي إلى مغامرة مكلفة، تتداخل فيها المخاطر الطبيعية مع هشاشة البنية الإنتاجية.
استراتيجية مغربية للتكيف… الطموح والإكراهات

استجابة لهذه التحديات، أطلقت الدولة المغربية استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” التي تهدف إلى تعزيز الفلاحة المستدامة وتحسين دخل الفلاحين وتثمين الموارد الطبيعية. تم تخصيص ميزانية تتجاوز عشرة مليارات درهم خلال السنوات الخمس الماضية لمشاريع تهدف لترشيد المياه وتحسين الإنتاجية، هذا و تم توسيع نظم الري بالتنقيط لتغطية أكثر من 250 ألف هكتار، ما يوفر نحو 40% من المياه المستهلكة في الزراعة التقليدية، كما تم الاستثمار في تحلية مياه البحر لتأمين الموارد في المناطق الساحلية، وتطوير حوالي 120 صنفاً من المحاصيل المقاومة للجفاف بالتعاون مع مراكز البحث العلمي الوطنية والدولية، بالإضافة إلى ذلك، تم توجيه الدعم نحو الفلاحين الصغار لتعزيز قدرتهم على التكيف باعتبارهم الحلقة الأكثر هشاشة في المنظومة، مع تحفيز التجمعات الفلاحية وال Cooperatives لضمان تسويق المنتجات بشكل مستدام.
ارتدادات اجتماعية… حين تتقلص الأرض وتتسع المدن
لا تقف تداعيات التغير المناخي عند حدود الحقول، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي، حيث يؤدي ضعف المردودية الفلاحية إلى تآكل دخل الأسر القروية، ودفعها نحو الهجرة بحثاً عن بدائل اقتصادية.. هذه الهجرة، التي تتخذ أحياناً طابعاً قسرياً، تعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية وتفاقم الضغط على المدن، في وقت لا تزال فيه الفوارق المجالية قائمة.
في المقابل، ينعكس اضطراب الإنتاج على الأسواق، حيث تعرف أسعار المواد الغذائية تقلبات حادة، تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين. وهكذا، يتحول المناخ من عامل طبيعي إلى عنصر مؤثر في الاستقرار الاجتماعي، يربط بشكل وثيق بين الحقول والأسواق، وبين الفلاح والمستهلك.
نحو نموذج فلاحي يعيد التوازن بين الإنسان والطبيعة

في نهاية المطاف، لم يعد التحدي الذي تواجهه الفلاحة المغربية يقتصر على التكيف مع تغير المناخ، بل يمتد إلى إعادة صياغة علاقتها بالموارد الطبيعية وبالمجتمع، فالمطلوب اليوم ليس فقط ضمان الإنتاج، بل تحقيق توازن دقيق بين السيادة الغذائية، وحماية البيئة، والعدالة المجالية.
إن المستقبل الفلاحي للمغرب لن يُحسم فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل بمدى القدرة على بناء نموذج تنموي مرن، يضع الإنسان في قلب المعادلة، ويُدرك أن الأرض لم تعد كما كانت، وأن السماء لم تعد تُعطي كما في السابق.. في هذا السياق، تصبح الفلاحة أكثر من قطاع اقتصادي، بل مرآة تعكس قدرة البلاد على التكيف مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.





