
في أجواء إحياء اليوم العالمي للعمال (فاتح ماي)، الذي يشكل محطة سنوية لتجديد المطالب الاجتماعية وتسليط الضوء على أوضاع الشغيلة، برزت هذه السنة بالمغرب نبرة احتجاج قوية تعكس حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
غلاء غير مسبوق في الأسعار
في هذا السياق، أكد الميلودي المخارق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، أن احتفالات فاتح ماي تمر هذه السنة في ظروف استثنائية تتسم بغلاء غير مسبوق في الأسعار، ما دفع النقابة إلى رفع سقف مطالبها، وعلى رأسها إقرار زيادة عامة في الأجور لمواجهة التدهور المتواصل في القدرة الشرائية.
ولم تقتصر هذه المطالب على الأجراء فقط، بل شدد المخارق على ضرورة مراجعة معاشات التقاعد، التي لم تعرف أي زيادة منذ نحو 15 سنة، رغم الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة، وهو ما جعل شريحة المتقاعدين تعاني أوضاعاً صعبة في صمت.
ودعا إلى ربط هذه المعاشات بشكل آلي بتطور كلفة المعيشة.
كما انتقد المسؤول النقابي الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات، مطالباً الحكومة باتخاذ إجراءات ملموسة، من بينها تخفيض أو إلغاء بعض الضرائب، خاصة الضريبة على القيمة المضافة والضريبة على الاستهلاك الداخلي، للتخفيف من العبء على المواطنين.
واعتبر المخارق أن الأزمة الاجتماعية الحالية ليست ظرفية، بل تعود إلى اختيارات اقتصادية متراكمة فضّلت تحقيق التوازنات الماكرو-اقتصادية على حساب العدالة الاجتماعية، وهو ما أدى إلى اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتراجع وضعية الطبقة الوسطى، وتنامي الهشاشة في سوق الشغل.
النموذج الحالي لم ينجح في تحقيق توزيع عادل للثروة
وفي تحليله للوضع التنموي، أشار إلى أن النموذج الحالي لم ينجح في تحقيق توزيع عادل للثروة، ما سمح لفئات محدودة بتكديس أرباح كبيرة في ظل ضعف المراقبة، مقابل معاناة ملايين الأسر من الغلاء المستمر.
ودعا الاتحاد المغربي للشغل إلى مراجعة شاملة لأولويات السياسات العمومية، والانتقال من الحلول الظرفية إلى إصلاحات عميقة تركز على خلق فرص شغل لائقة، وتحقيق أجر عادل، وضمان حماية اجتماعية فعلية. كما سجل أن حجم الاستثمار العمومي لم ينعكس بالشكل المطلوب على مستوى التشغيل، حيث لا تزال البطالة تضرب بقوة فئات الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
رفض النقابة لتحويل هذا الحوار إلى مجرد آلية لتسويق قرارات جاهزة
وبخصوص الحوار الاجتماعي، اعتبر المخارق أن الجولة الأخيرة لم ترق إلى مستوى التحديات، واصفاً إياها بأنها جاءت متأخرة وبدوافع سياسية أكثر منها إرادة حقيقية لإبرام تعاقد اجتماعي منصف، مؤكداً رفض النقابة لتحويل هذا الحوار إلى مجرد آلية لتسويق قرارات جاهزة.
وأشار إلى أن المعركة الاجتماعية لم تعد تقتصر على تحسين الحد الأدنى للأجور، بل أصبحت تتعلق بضمان الحد الأدنى للعيش الكريم، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والنقل والعلاج والتعليم.
استمرار التضييق على الحريات النقابية
كما نبه إلى استمرار التضييق على الحريات النقابية، من خلال طرد العمال أو الضغط عليهم بسبب انخراطهم النقابي، إضافة إلى تنامي ظاهرة التسريحات الجماعية في خرق واضح للقانون.
وانتقد كذلك انتشار العمل عبر شركات المناولة، وظهور فئات جديدة من العمال، مثل عمال المنصات الرقمية، الذين يشتغلون في ظروف هشة دون حماية قانونية كافية.
وفي ختام كلمته، جدد المخارق رفض الاتحاد لما وصفه بالقانون المقيد لحق الإضراب، داعياً إلى مراجعته بما يضمن احترام هذا الحق الدستوري، كما عبر عن تضامن النقابة مع الشعب الفلسطيني، معتبراً قضيته قضية عدالة وحقوق مشروعة.





