
عاد ملف التأشيرات الأوروبية إلى واجهة الجدل في المغرب وشمال أفريقيا، بعد تفجر فضيحة فساد جديدة داخل القنصلية الإسبانية بالجزائر، و التي كشفت عنها صحيفة “إل إسبانيول”، وأطاحت بمسؤولين متورطين في بيع تأشيرات “شنغن” مقابل مبالغ مالية وصلت إلى 25 ألف يورو للعائلة الواحدة، غير أن القضية، رغم وقوعها في الجزائر، أعادت إلى الواجهة واقعاً مألوفاً في المغرب، حيث تحولت مواعيد التأشيرات خلال السنوات الأخيرة إلى سوق سوداء موازية تُدار من طرف شبكات وسماسرة يستغلون حلم الهجرة والسفر والاستثمار.
القضاء الإسباني يطارد شبكة عابرة للحدود
أسفر التحقيق الذي تقوده القاضية الإسبانية ماريا تاردون بالمحكمة الوطنية في مدريد عن اعتقال مسؤول قنصلي إسباني رفيع”فيسنتي مورينو ” في الجزائر إلى جانب موظف محلي، وسط اتهامات بتسهيل منح تأشيرات لعائلات ورجال أعمال مقابل رشاوى ضخمة، وتشير المعطيات الأولية إلى أن الشبكة لم تكتفِ ببيع التأشيرات، بل لجأت أيضاً إلى عمليات غسل الأموال عبر شراء سيارات فارهة واستثمارات داخل إسبانيا بهدف إضفاء طابع قانوني على الأموال المتحصلة من الرشاوى والابتزاز.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة سؤالاً حساساً يتعلق بمدى هشاشة منظومة منح التأشيرات الأوروبية في الضفة الجنوبية للمتوسط، خصوصاً في ظل ارتفاع الطلب على “شنغن” مقابل محدودية المواعيد الرسمية وتعقيد الإجراءات الإدارية.
اقتصاد المواعيد.. حين تتحول التأشيرة إلى تجارة موازية
في المغرب والجزائر، لم تعد أزمة التأشيرات مجرد مشكل إداري عابر، بل أصبحت اقتصاداً غير مهيكل تديره شبكات وسماسرة يستغلون حاجة المواطنين للسفر، فالحصول على موعد داخل بعض القنصليات الإسبانية بات شبه مستحيل بالنسبة للكثيرين، ما فتح الباب أمام “مافيا المواعيد” التي تعتمد على برامج إلكترونية لحجز المواعيد بشكل جماعي وإعادة بيعها بأسعار خيالية.
وفي مدن مغربية مثل طنجة والناظور والدار البيضاء و اكادير ، وصلت أسعار بعض المواعيد إلى أكثر من ألف يورو، بينما تراوحت في حالات أخرى بين 300 و500 يورو حسب نوع التأشيرة وسرعة الحصول عليها، هذه السوق السوداء خلقت شعوراً واسعاً بالظلم الاجتماعي، حيث أصبح الحق في التنقل مرتبطاً بالقدرة المالية أكثر من استيفاء الشروط القانونية.
رجال الأعمال أيضاً ضحايا الأزمة
الأزمة لم تعد تمس فقط الراغبين في الهجرة أو السياحة، بل امتدت إلى رجال الأعمال والمستثمرين، فوفق شكاوى متكررة، يتم رفض ما بين 70 و80% من طلبات التأشيرات، ما يعرقل تنقل المستثمرين بين الضفتين ويؤثر مباشرة على المبادلات التجارية.
ويرى مراقبون أن هذه العراقيل تتناقض مع محاولات مدريد إعادة تنشيط علاقاتها الاقتصادية مع دول المغرب الكبير، خاصة بعد التوترات الدبلوماسية الأخيرة. كما أن تعطيل سفر رجال الأعمال ينعكس سلباً على الاستثمارات، ويؤخر توقيع الصفقات ومتابعة المشاريع الصناعية والتجارية.
شركة “BLS” في قلب العاصفة
و في ذات السياق، طالت الانتقادات شركة BLS International المكلفة بتدبير المواعيد، بعدما وُجهت لها اتهامات بعدم القدرة على حماية منصاتها الرقمية من المضاربين والسماسرة، ورغم الجدل القضائي الذي سبق أن رافق بعض عقود الشركة، لا تزال وزارة الخارجية الإسبانية تعتمد عليها، ما يثير تساؤلات متزايدة حول فعالية الرقابة وآليات محاربة الفساد داخل المنظومة القنصلية.. وتشير معطيات متداولة إلى أن بعض المسؤولين القنصليين الذين لاحقتهم شبهات فساد تم نقلهم بين قنصليات مختلفة في المغرب والجزائر بدل إخضاعهم لمحاسبة صارمة، الأمر الذي عمّق فقدان الثقة لدى المواطنين.
ضحايا بين صمت الإدارات وجشع السماسرة
في ظل غياب توضيحات رسمية من الخارجية الإسبانية، يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف في هذه المنظومة المعقدة، فالكثير من الأسر تضطر إلى استنزاف مدخراتها من أجل موعد أو تأشيرة قد لا تحصل عليها في النهاية، بينما تستفيد شبكات السمسرة من حالة اليأس والضغط الاجتماعي المرتبط بحلم الهجرة أو السفر.. ما يجعل تفكيك “مافيا التأشيرات” اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومات على مواجهة الفساد العابر للحدود.




