
كشف وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، أن المنصة الرقمية “شكاية الصحة” استقبلت أكثر من 4200 شكاية خلال نحو شهر ونصف فقط من إطلاقها، مؤكداً أنه تم البت في أكثر من 3000 ملف بنسبة معالجة بلغت 73 في المائة.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإنها تطرح تساؤلات حول طبيعة الشكايات المسجلة، ومدى فعالية معالجتها، وما إذا كانت قد أفضت فعلاً إلى تحسين الخدمات الصحية بالمؤسسات المعنية.
المواعيد والأدوية والاستقبال في صدارة الشكايات
وذكر مصدران من القطاع، فضّلا عدم الكشف عن هويتيهما، أن المعطيات الأولية المتوفرة تشير إلى أن الجزء الأكبر من الشكايات يتعلق بطول مواعيد الفحوصات والاستشارات الطبية المتخصصة، وصعوبات الولوج إلى بعض الخدمات العلاجية، إلى جانب شكايات مرتبطة بنقص أدوية معينة وجودة الاستقبال والتوجيه داخل عدد من المؤسسات الصحية.
وأوضح المصدران أن هذه الأنواع من التظلمات تتكرر بشكل أكبر في المستشفيات العمومية ذات الضغط المرتفع، خصوصاً بالمراكز الاستشفائية الجامعية والمستشفيات الإقليمية التي تستقبل أعداداً كبيرة من المرضى يومياً.
وأضافا أن الوزارة لم تنشر إلى حدود الآن معطيات رسمية مفصلة حول التوزيع الجغرافي للشكايات، غير أن حجم الكثافة السكانية والإقبال الكبير على الخدمات الصحية يجعل الجهات الكبرى، مثل الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وفاس-مكناس، من بين المناطق التي يرجح أن تستأثر بحصة مهمة من مجموع التظلمات المسجلة.
معالجة الملفات لا تعني بالضرورة حل المشكلات
وبخصوص نسبة المعالجة المعلنة، أوضح المصدران أن المقصود في الغالب هو البت الإداري في الملفات وإحالتها على الجهات المختصة والرد على أصحابها أو اتخاذ إجراء بشأنها، وليس بالضرورة التوصل إلى حل نهائي لكل الإشكالات المطروحة.
وأكد المصدران أن المؤشر الأهم لتقييم نجاح المنصة لا يتمثل في عدد الملفات المغلقة، بل في مدى تحسن وضعية المشتكين بعد التدخل، وما إذا كانت أسباب الشكايات قد عولجت فعلياً داخل المؤسسات الصحية المعنية.
وأشارا إلى أن بعض الشكايات يمكن حلها بسرعة، مثل مشاكل المواعيد أو التواصل مع المرتفقين، بينما تتطلب أخرى تدخلاً هيكلياً يرتبط بالموارد البشرية أو التجهيزات أو التموين بالأدوية، وهي ملفات تحتاج إلى آجال أطول لمعالجتها.
مؤسسات تحت المجهر
وحول المؤسسات الصحية التي سجلت أكبر عدد من الشكايات، أفاد المصدران بأن الوزارة لم تكشف رسمياً عن قائمة المرافق الأكثر تظلماً، غير أن المنصة تتيح تقنياً تحديد المؤسسات والأقسام التي تعرف تكراراً للشكايات، ما يسمح بتوجيه عمليات المراقبة والتتبع إليها.
وأضافا أن الهدف من المنصة لا يقتصر على استقبال التظلمات، بل يشمل أيضاً بناء قاعدة بيانات تساعد على رصد مواطن الخلل المتكررة وتحديد المؤسسات التي تحتاج إلى تدخلات استعجالية أو خطط لتحسين الأداء.
مطلب الشفافية
ويرى مصادرنا أن المرحلة المقبلة تقتضي نشر تقارير دورية تتضمن معطيات أكثر تفصيلاً حول طبيعة الشكايات وتوزيعها الجغرافي والمؤسساتي، فضلاً عن عرض الإجراءات التصحيحية التي تم اتخاذها بناء على ملاحظات المواطنين.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح منصة “شكاية الصحة” لن يقاس بعدد الملفات المعالجة فقط، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في جودة الخدمات الصحية وتقليص الاختلالات التي تدفع المواطنين إلى تقديم شكاياتهم.
وتشير الأرقام المسجلة خلال فترة وجيزة من إطلاق المنصة إلى وجود طلب متزايد من المواطنين على آليات التبليغ والتفاعل مع الإدارة الصحية، كما تعكس حجم التحديات المرتبطة بالخدمات المقدمة في عدد من المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز فعالية منصة “شكاية الصحة” يقتضي الانتقال من مجرد معالجة الشكايات إلى استثمار معطياتها في اتخاذ قرارات إصلاحية مبنية على الأدلة، مع نشر مؤشرات دورية حول نتائج التدخلات ومستوى رضا المرتفقين.
كما أن تطوير آليات التتبع والتقييم وربطها بخطط تحسين الأداء داخل المؤسسات الصحية من شأنه أن يجعل المنصة أداة استراتيجية للمساهمة في الرفع من جودة الخدمات وتعزيز الثقة بين المواطنين والمنظومة الصحية على المدى البعيد.





