
التغطية الصحية في المغرب.. اقتطاعات لا تنتهي وتعويضات لا تعالج المرض
بين الشعارات الرسمية التي تتحدث عن “تعميم الحماية الاجتماعية” والواقع الذي يصطدم به المواطن داخل العيادات والمصحات، تتسع فجوة يصعب تجاهلها..
فالمغاربة الذين يقتطع من دخلهم شهرياً لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يكتشفون، عند أول أزمة صحية، أن التغطية التي ساهموا في تمويلها لسنوات لم تعد قادرة على مواكبة الارتفاع الصاروخي لكلفة العلاج، وأن الجزء الأكبر من الفاتورة سيظل على عاتقهم.
أسعار ترتفع… وتعويضات متجمدة
تعرف الخدمات الطبية في القطاع الخاص زيادات متواصلة شملت الاستشارات الطبية والتحاليل والأشعة والأدوية والاستشفاء، في وقت ما تزال فيه التعويضات تعتمد تعريفة مرجعية يعتبرها عدد كبير من المنخرطين متجاوزة ولا تعكس الأسعار الحقيقية المتداولة اليوم.
وأصبح الفرق بين ما يؤديه المريض وما يسترجعه من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يتسع بشكل لافت، خاصة بالنسبة للمصابين بالأمراض المزمنة أو من يحتاجون إلى متابعة طبية دورية، حيث تتحول الزيارة الواحدة للطبيب إلى استنزاف متكرر لميزانية الأسرة.
الأرقام تكشف عمق الاختلال
تؤكد المعطيات الرسمية أن المشكلة ليست مجرد انطباعات فردية، فبحسب الحسابات الوطنية للصحة، لا يزال الإنفاق المباشر للأسر يمثل نحو 38% من إجمالي الإنفاق الصحي بالمغرب، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بما توصي به منظمة الصحة العالمية لضمان حماية مالية حقيقية للمواطنين.
وفي المقابل، تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى استمرار تراجع القدرة الشرائية تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي مصاريف صحية إضافية عبئاً قد يدفع العديد من الأسر إلى الاستدانة أو تأجيل العلاج أو التخلي عنه بالكامل، بما يحمله ذلك من انعكاسات صحية واجتماعية خطيرة.
ورش ملكي يصطدم بواقع المنظومة
و رغم أن المغرب أطلق واحداً من أكبر أوراشه الاجتماعية بتعميم الحماية الاجتماعية، فإن نجاح هذا المشروع لا يقاس بعدد بطاقات التأمين الصحي الموزعة، بل بمدى قدرة المواطن على العلاج دون الوقوع في ضائقة مالية.
فإذا ظلت التعويضات بعيدة عن الأسعار الفعلية، فإن التغطية الصحية تفقد جزءاً كبيراً من وظيفتها، وتتحول إلى خدمة محدودة الأثر لا تحقق الهدف الأساسي الذي أنشئت من أجله، وهو حماية المؤمن له من الصدمة المالية التي يسببها المرض.
إصلاح مؤجل يدفع المواطن ثمنه
ما يحدث اليوم يطرح أسئلة محرجة حول أسباب التأخر في مراجعة التعريفة المرجعية، وحول قدرة الجهات الوصية على مواكبة التحولات التي يعرفها القطاع الصحي الخاص، فاستمرار هذا الوضع يعني أن المواطن سيظل الحلقة الأضعف في معادلة ترتفع فيها أسعار العلاج بوتيرة متسارعة، بينما تبقى التعويضات حبيسة أرقام لم تعد تنتمي إلى الواقع.
وفي النهاية، لا يحتاج المنخرطون إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاجون إلى منظومة تعويضات عادلة تواكب الأسعار الحقيقية، لأن الحق في العلاج لا يقاس بعدد المنخرطين في الصندوق، بل بقدرة المرضى على تلقي العلاج دون أن يتحول المرض إلى بوابة جديدة للفقر والاستنزاف المالي.




