
اقتصاد يزدهر في التقارير
يبدو أن هناك اقتصادين يسيران في اتجاهين متعاكسين في المغرب.. اقتصاد رسمي يحتفل بارتفاع النمو والاستثمارات والصادرات، واقتصاد اجتماعي يعيش فيه ملايين المواطنين تحت وطأة الغلاء والبطالة وتآكل القدرة الشرائية.
وبين هذين الواقعين، تتسع الهوة عاماً بعد آخر، حتى باتت الأرقام التي تعلنها الحكومة أقرب إلى مؤشرات محاسباتية منها إلى إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية، حيث لم يعد هذا التناقض مجرد انطباع شعبي، بل أصبح موثقاً في تقارير وطنية ودولية، آخرها تقرير مركز “أوميغا” تحت عنوان “من نمو الاقتصاد إلى تحسن المعيشة.. قراءة نسقية استشرافية”، والذي يوجه نقداً واضحاً لاقتصاد ينجح في تحسين المؤشرات الكلية، لكنه يفشل في تحويلها إلى رفاه اجتماعي وعدالة اقتصادية.
نمو اقتصادي… بلا تنمية اجتماعية
تتوقع المؤسسات الدولية أن يسجل الاقتصاد المغربي نمواً يفوق 4% خلال سنة 2026، مدفوعاً بتحسن الموسم الفلاحي وانتعاش الصناعة والاستثمارات المرتبطة بالأوراش الكبرى وكأس العالم 2030، لكن السؤال الذي تتجنبه الحكومة هو: لماذا لا ينعكس هذا النمو على معيشة المواطنين؟
فوفق المندوبية السامية للتخطيط، ما تزال البطالة في حدود 13%، بينما تقفز إلى أكثر من 36% في صفوف الشباب الحضري، في حين تؤكد نتائج بحوثها أن أغلبية الأسر المغربية ترى أن مستوى معيشتها تراجع، وأن قدرتها على الادخار تكاد تكون منعدمة، أما بنك المغرب، فيحذر باستمرار من ضعف خلق فرص الشغل، رغم تحسن بعض المؤشرات الماكرو-اقتصادية.. إنها مفارقة صارخة؛ اقتصاد ينتج أرقاماً جيدة، لكنه لا ينتج إحساساً جماعياً بالتحسن.
ثروة تتكدس… وفوارق تتسع
المشكلة الحقيقية ليست في معدل النمو، بل في “من يستفيد منه”، فالاقتصاد المغربي أصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق أرقام قياسية في صادرات السيارات والطيران والفوسفاط، لكن هذه الثروة تظل مركزة في قطاعات ورؤوس أموال محدودة، بينما تتراجع حصة الأجور من الثروة الوطنية، وتتآكل الطبقة المتوسطة التي كانت تاريخياً صمام أمان للاستقرار.
وتؤكد تقارير رسمية استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية، إذ لا تزال جهات محدودة تستحوذ على الجزء الأكبر من الثروة والاستثمارات، بينما تعاني مناطق واسعة من ضعف الخدمات الأساسية، وارتفاع البطالة، وهجرة الشباب، كما يظل معامل “جيني” عند مستوى يعكس استمرار اختلال توزيع الدخل، وهو ما يعني أن النمو لا يعاد توزيعه بشكل عادل، رغم سنوات من البرامج والاستراتيجيات التنموية.
حكومة تتحدث بلغة المؤشرات… ومواطن يتحدث بلغة الفواتير
تبدو السياسات العمومية اليوم منشغلة بتحسين صورة الاقتصاد أمام المؤسسات المالية الدولية أكثر من انشغالها بإصلاح الاقتصاد الاجتماعي.. فبينما تضخ الدولة عشرات المليارات في مشاريع البنية التحتية والملاعب والطرق والقطارات، ما تزال المدرسة العمومية والمستشفى العمومي وسوق الشغل تعاني اختلالات بنيوية، تجعل المواطن يتساءل: “لمن تُبنى هذه الإنجازات إذا كان أثرها لا يصل إلى جيبه؟”
المشكلة ليست في الاستثمار، بل في غياب رؤية تجعل الاستثمار رافعة لخلق قيمة مضافة محلية، ومناصب شغل دائمة، وتحسين الدخل الحقيقي، بدل الاكتفاء بتجميل المؤشرات الاقتصادية.
الخطر الحقيقي… تآكل الثقة
يعلمنا التاريخ الاقتصادي أن المجتمعات لا تحتج بسبب ضعف النمو، بل بسبب غياب العدالة في توزيع ثماره، وعندما يسمع المواطن عن أرقام قياسية في الاستثمارات والصادرات، بينما يواجه يومياً أسعاراً ملتهبة، وسوق شغل مغلقاً، وخدمات عمومية متعثرة، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع تتسع، ويتحول النجاح الاقتصادي المعلن إلى أزمة ثقة سياسية.
إن الرهان اليوم لم يعد رفع الناتج الداخلي الخام، بل “إعادة توزيع ثمار النمو”، فاقتصاد لا يحسن حياة المواطنين، ولا يعيد بناء الطبقة المتوسطة، ولا يمنح الشباب أملاً في المستقبل، ليس اقتصاداً ناجحاً، بل مجرد آلة لإنتاج الأرقام… وإخفاء الأعطاب البنيوية خلفها.
ويبقى السؤال الذي تتجنبه الحكومة: “إذا كان الاقتصاد المغربي يحقق كل هذه “النجاحات”، فلماذا لا يشعر بها إلا من يقرأ التقارير، بينما لا يجدها المواطن في راتبه، ولا في سلة غذائه، ولا في فاتورة علاجه، ولا في مستقبل أبنائه؟





