
المغرب ضمن خريطة شبكات الاستغلال الجنسي بأوروبا
تحرير: جيهان مشكور
تتجه الأنظار يومي 24 و25 يونيو الجاري إلى المحكمة الإقليمية بمدينة مالقة الإسبانية، حيث تنطلق محاكمة شبكة دولية متهمة بالاتجار بالبشر واستغلال نساء مهاجرات في الدعارة، في قضية تعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر الجرائم المنظمة العابرة للحدود.
وتكشف تفاصيل الملف كيف تحولت أحلام نساء بالبحث عن فرصة عمل أو استكمال الدراسة في أوروبا إلى كابوس من الاستغلال والعنف والابتزاز.
وبحسب معطيات النيابة العامة الإسبانية، كانت الشبكة تنشط انطلاقاً من مالقة وتمتد خيوطها إلى عدة دول، من بينها المغرب ونيجيريا والدنمارك وألمانيا، فيما تتهم امرأة بقيادة العمليات وتنسيق مراحل استقطاب الضحايا ونقلهن ثم استغلالهن جنسياً لتحقيق عائدات مالية ضخمة.
الفقر والهشاشة… الوقود الحقيقي لشبكات الاستغلال
تكشف القضية عن آلية متكررة تعتمدها شبكات الاتجار بالبشر، تقوم على استهداف النساء اللواتي يعانين أوضاعاً اجتماعية واقتصادية صعبة، فوفق التحقيقات، كانت الضحايا يتلقين وعوداً بالحصول على وظائف قانونية، خاصة في مجال تصفيف الشعر والخدمات التجميلية، قبل أن يجدن أنفسهن تحت رحمة شبكات تفرض عليهن ديوناً باهظة مقابل “تكاليف الهجرة” وتدفعهن قسراً إلى الدعارة لتسديدها.
وتنسجم هذه الوقائع مع ما تؤكده تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، التي تشير إلى أن النساء والفتيات يمثلن نحو 61% من ضحايا الاتجار بالبشر المكتشفين عالميًا، فيما يبقى الاستغلال الجنسي الشكل الأكثر انتشارًا لهذه الجريمة، خصوصًا في أوروبا الغربية.
كما تؤكد بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن الضائقة الاقتصادية وغياب فرص الشغل تعد من أبرز العوامل التي تدفع النساء إلى الوقوع في شباك شبكات التهريب والاتجار بالبشر.

رحلة الهجرة تتحول إلى أداة للابتزاز والسيطرة
وتتحدث وثائق الاتهام عن حالتين لامرأتين من نيجيريا.. الأولى أُجبرت، وفق النيابة، على تسديد مبلغ يصل إلى 35 ألف يورو مقابل نقلها إلى إسبانيا، كما خضعت قبل مغادرتها بلدها لطقوس مرتبطة بالسحر والشعوذة استُعملت كوسيلة للضغط النفسي وترهيبها.
وتضيف المعطيات أن الضحية كانت تسلم كامل المبالغ التي تجنيها لأفراد الشبكة، بينما تعرضت لعمليات نقل متكررة بين دول أوروبية مختلفة بهدف زيادة أرباح المستغلين، والأكثر خطورة أن طفلها الصغير ظل تحت سيطرة المتهمة الرئيسية التي كانت تستعمله كورقة ضغط، مهددة بحرمانه من الغذاء أو تسليمه للسلطات.
أما الضحية الثانية، فقد وصلت إلى إسبانيا بعد رحلة وصفتها النيابة بـ”القاسية”، مرورًا بالمغرب ثم عبر قارب للهجرة غير النظامية، قبل أن تتعرض للعنف والإكراه وتُجبر بدورها على ممارسة الدعارة.
جريمة عابرة للحدود وأرباح بملايين اليوروهات
كشفت التحقيقات أن المتهمة الرئيسية نفذت أكثر من 200 عملية مالية، وتلقت تحويلات من نساء نيجيريات وأشخاص آخرين، بينما شارك باقي المتهمين في استقطاب الضحايا، وتأمين تنقلاتهن، والإشراف على الأموال المتحصلة من استغلالهن.
وتطالب النيابة العامة الإسبانية بالحكم على كل واحد من المتهمين بالسجن لمدة تصل إلى 17 سنة، مع إلزامهم بأداء تعويض قدره 25 ألف يورو لكل ضحية، بعد متابعتهم بتهم الاتجار بالبشر، واستغلال المهاجرين، والدعارة القسرية.
وتبرز هذه القضية أن مكافحة الاتجار بالبشر لم تعد مجرد ملف أمني أو قضائي، بل أصبحت تحديًا اجتماعيًا وتنمويًا وسياسيًا يتطلب تعزيز التعاون بين دول المصدر والعبور والاستقبال، وتشديد ملاحقة الشبكات الإجرامية، إلى جانب معالجة الأسباب العميقة للهجرة القسرية، وفي مقدمتها الفقر، والبطالة، وانعدام الفرص، بما يضمن حماية الفئات الهشة من الوقوع ضحية لأخطر أشكال الاستغلال المعاصر.





