
هل تنجح الدولة في تنظيم ثورة التنقل الحضري قبل أن تتحول إلى خطر يومي؟
لم تعد “التروتينيت” مجرد وسيلة ترفيه أو موضة عابرة في المدن المغربية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مظاهر التحول في أنماط التنقل الحضري، خاصة في ظل الازدحام المروري وارتفاع تكاليف النقل، غير أن هذا الانتشار السريع سبق الإطار القانوني المنظم، ما خلق فراغا تشريعيا جعل هذه المركبات تتقاسم الطريق مع السيارات والدراجات والراجلين دون قواعد واضحة، وهو ما دفع السلطات إلى تسريع وتيرة تقنين استخدامها.
تنظيم قانوني يواكب واقعاً جديداً
في هذا السياق، تتجه الحكومة إلى اعتماد منظومة قانونية متكاملة لتنظيم استعمال مركبات التنقل الشخصي بمحرك، المعروفة بـ”التروتينيت”، بعدما شرعت وزارة النقل واللوجيستيك، منذ أكتوبر 2024، في إعداد النصوص القانونية اللازمة تنفيذا لتوجيهات الوزير عبد الصمد قيوح، بهدف إدماج هذه الوسائل ضمن منظومة السير بشكل آمن ومتوازن.
وكان مجلس الحكومة قد صادق، في 19 يونيو 2025، على مرسوم يحدد لأول مرة التعريف القانوني لهذه المركبات والدراجات ذات الدوس المساعد، مع ضبط خصائصها التقنية، في خطوة مهدت للانتقال إلى مرحلة تنظيم قواعد استعمالها على الطريق.
ومن المرتقب أن يناقش مجلس الحكومة، خلال اجتماعه المقرر في 9 يوليوز 2026، مشروع مرسوم جديد يتضمن حزمة من الإجراءات، أبرزها تحديد السرعة القصوى في 25 كيلومترا في الساعة داخل المجال الحضري، وإلزام السائقين بارتداء خوذات واقية معتمدة، مع منع استعمال السماعات أثناء القيادة لما تشكله من خطر على الانتباه وردة الفعل.
السلامة الطرقية… التحدي الأكبر
هذا ولا تأتي هذه الإجراءات بمعزل عن واقع مقلق تعيشه السلامة الطرقية بالمغرب.. فوفق معطيات رسمية للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا)، يسجل المغرب سنويا آلاف حوادث السير التي تخلف أكثر من 3 آلاف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، بينما تقدر الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذه الحوادث بنحو 2.5% من الناتج الداخلي الخام، وهو رقم يعكس حجم النزيف الذي تتحمله الدولة والاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، ينص مشروع المرسوم أيضا على منع الأطفال دون سن الثامنة من استعمال “التروتينيت” في الطرق العمومية، مع وضع شروط خاصة لنقل الأطفال، في محاولة لتقليص المخاطر التي أصبحت ترافق انتشار هذه الوسيلة داخل الأحياء والشوارع.
بين تشجيع التنقل المستدام وفرض الانضباط
يعكس التوجه الحكومي سعيا إلى تحقيق توازن دقيق بين تشجيع وسائل التنقل الفردي الصديقة للبيئة، التي تساهم في تخفيف الازدحام وتقليص الانبعاثات الكربونية، وبين فرض قواعد تحمي مستعملي الطريق. فالتحدي لم يعد مرتبطا بانتشار “التروتينيت” في حد ذاته، بل بقدرة المنظومة القانونية على مواكبة التحولات التي تعرفها المدن المغربية، وتحويل هذه الوسيلة من مصدر محتمل للفوضى إلى جزء من منظومة تنقل حضرية أكثر أمانا وتنظيما واستدامة.




